{وَالصِّدِّيقِينَ} أي السابقين إلى التصديق والإيمان وإخلاص القول والعمل، وهم كرام أصحاب الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن عمل بعملهم وسار على نهجهم.
{وَالشُّهَدَاءِ} الذين قتلوا في سبيل الله من أجل نصرة كلمة التوحيد وإقامة أمر الإسلام، وقال عنهم الحق سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران 169/ 171
{وَالصَّالِحِينَ} الذين صرفوا أعمارهم في طاعته، وأنفقوا أموالهم في مرضاته، وقال عنهم عز وجل: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 25.
ثم أثنى الله تعالى على هؤلاء الرفقاء في الجنة بقوله:
{وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} والرفيق لغة بمعنى المرافق، يستوي فيه المفرد والجمع، أي: إن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين أحسن رفقاء الجنة، لما لهم من فضل وحسن عشرة ودرجات عالية، وما هم فيه من نعيم. أما المعية معهم فلها فضلها الذي يقدره الله تعالى بعلمه وحكمته، من دون أن تُخِلَّ بدرجة أي منهم.
ويختم الحق سبحانه بتعظيم ما خصهم به فيقول:
{ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ} ذلك الثواب العظيم، وما نالوه من كرامة وحسن رفقة في الجنة ليس إلا بفضل اللّه تعالى وكرمه، {وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} وكفاهم علم الله الواسع بما في قلوبهم من صدق الإيمان وصالح الأعمال، في تقدير الأجر وإسباغ النعم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم شرحا لقول الله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} يونس 26: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم يبيض وجوهنا وينجنا من النار ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه) .
إن مبنى الوجود البشري في الأرض على هذين الخيارين، خيار سبيل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وخيار سبيل الكافرين والمتمردين والمنافقين، وليس لأي أمة مفر من أن تختار بينهما، وقد وردت هذه الآيات الكريمة تعقيبا منه تعالى على الآيات السابقة المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي،