فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 326

عافانا"، وقال عمر:"والله لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك"، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: (إن من أمتي رجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي) ."

وأما الخيار الثاني خيار الطاعة والتشويقٍ إلى ثمار الصدق والإخلاص فهو قوله تعالى بعد ذلك:

{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} لو أنهم استجابوا لوعظ الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته فتابوا وأخلصوا وأطاعوا الأوامر والنواهي {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} لكان فعلهم خيرا لهم مما هم فيه من النفاق، وأكثر تثبيتا لهم على الإيمان والعمل الصالح {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} ولكان جزاء ثباتهم على الإيمان والعمل الصالح أجرا عظيما وثوابا جزيلا من الله تعالى {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} صراطا يفتح لهم به باب السعادة والتوفيق، وينير لهم به معالم العرفان، ويوصلهم إلى الجنة، صراطا هو الكتاب مُبَيَّنا بالسنة النبوية، وقد قال عنه الحق سبحانه: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} الشورى 52/ 53.

ولئن كان جزاء التوبة والإصلاح قد ورد في هذه الآية مجملا، فإنه تعالى ترغيبا في الطاعة وتشويقا لنعيم الآخرة، أردفه في الآية الموالية مفصلا فقال عز وجل:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} بامتثال تعاليم الدين أمرا ونهيا ومنهج حياة {فَأُولَئِكَ} المطيعون {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} بدخول الجنة ونزول أعلى مراتبها.

{مِنَ النَّبِيِّينَ} ودرجات أنبياء الله تعالى عليهم السلام متفاوتة، أعلاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} البقرة 253، وقد روي أن ثوبانَ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كان شديدَ الحبِّ له عليه الصلاة والسلام، قليلَ الصبرِ عنه، فأتاه يومًا وقد تغيّر وجهُه ونحُل جِسمُه وعُرف الحزن في وجهه، فسأله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال:"يا رسولَ الله ما بي من وجع غير أني إذا لم أرَك اشتقتُ إليك واستوحشتُ وحشةً شديدةً حتى ألقاك، فذكرتُ الآخرةَ فخِفتُ أن لا أراك هناك لأني عرفتُ أنك تُرفع مع النبيين، وإن أُدخِلْتُ الجنةَ كنتُ في منزل دون منزلِك، وإن لم أُدْخَلْ فذاك حين لا أراك أبدًا"، فلم يردَّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ .. } الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وأبويه وأهلِه وولدِه والناسِ أجمعين) ، كما رُوي أن أنسًا قال:"يا رسولَ الله الرجل يحب قومًا ولمّا يلحَقْ بهم"، فقال عليه الصلاة والسلام: (المرءُ مع من أحبّ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت