سمعا وطاعة، أي تلقيا ومبادرة بالتنفيذ والعمل، مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} النور 51، وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} القصص 68.
هذا ما ينبغي أن يستقبل به المؤمنون أمر الله تعالى، سمعا وطاعة ورضا وتسليما، وليس للمخالفين ممن آمنت ألسنتهم وكفرت قلوبهم وأعمالهم إلا أن ينتظروا وعيد الله تعالى لهم بالعقوبة، فتنة تقمعهم، أو مصيبة تصيبهم، أو تكليفا فوق طاقتهم يفضح نفاقهم ويكشف زيف إيمانهم كما قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور 63. لذلك جعل الحق سبحانه منافقي العهد النبوي بين خيارين، تحذيرٍ من عاقبة إصرارهم وتمردهم وعصيانهم، وتشويقٍ إلى ثمار الصدق والإخلاص والطاعة.
أما الخيار الأول فهو إشارتُه تعالى للمنافقين إلى ما ابتليت به طائفة من اليهود قبلهم إذ حُمِّلوا ما لا طاقة لهم به في حياة موسى عليه السلام، وتهديدُهم بقوله عز وجل:
{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} والضمير في قوله تعالى {عَلَيْهِمْ} عائد للمنافقين ومن في صفاتهم وأعمالهم، أي لو أمرهم الله تعالى بقتل أنفسهم أو تعريضها للقتل المحقق أو المظنون ظنا راجحا، كما أُمِر به بنو إسرائيل شرطا لقبول توبتهم إذ عبدوا العجل فقال لهم موسى عليه السلام {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} البقرة 54، أو أمَرَهم بالخروج من ديارهم ومغادرة أوطانهم وهجرتها {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} أي: لم يفعل المأمور به من القتل والهجرة إلا قليل منهم، أو لم يفعلوه مطلقا، لأن العرب يكنون بالقليل عن المعدوم، ويضعون لفظ"قليل"في معنى النفي كقولهم: فلان قليل الحياء، أي لا حياء له، ومنه قوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} النمل 62 أي: لا تتذكرون ولا تتعظون، وتلك عادة المنافقين دائما لرداءة طباعهم وخبث طويتهم.
أما سبب نزول هذه الآية الكريمة فهو أن اليهود عندما لم يرض أحد المنافقين بحكم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا:"ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبه، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أُمِرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفا"، فقال ثابت بن قيس وعمار وابن مسعود:"لو كتب ذلك علينا لفعلناه". وقال أبو بكر الصديق"لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي"