بالمغفرة والعفو، والله عز وجل (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار و يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها [[1] ]) . لذلك حض الوحي الكريم كل الذين تحاكموا إلى الطواغيت، أو أعرضوا عن حكم الرسول عليه السلام، أو صدوا عن منهج الله تعالى على الاستغفار والتوبة بقوله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} أي إن أولئك المنافقين لَوْ أنهم جاءوك معتذرين، نادمين على ما فرط منهم، مستغفرين الله لذنوبهم فسألت لهم المغفرة لتاب الله عليهم وغفر لهم ولوجدوا {اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} ، والحال نفسه يجده في كل زمان ومكان من تورط في ظلم نفسه بكفر أو شرك أو نفاق أو خطيئة، باب التوبة مفتوح له على مصراعيه لا يصده عنه صاد إلا من نفسه أو من الشيطان، وليس عليه إلا أن يعود إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليتبين الرشد من الضلال، ويستغفر لذنبه فيستظل بعفو ربه التواب الرحيم، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر 53.
وبعد أن حدد الحق سبحانه مصدر منهجه للحياة، وطريقة تلقيه وفهمه والعمل به مرجعيةً وطاعةً وتوبةً، بين أن ذلك كله لا يقبل إذا كان مجرد طقوس شكلية وتصدية جوفاء بقلوب خالية من الرضا والتسليم فقال عز وجل:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
وتحكيمه صلى الله عليه وسلم فيما شجر بين المسلمين يعني التقاضي إليه فيما يحدث بينهم من خلافات ومنازعات حال حياته، وتحكيم الكتاب والسنة النبوية بعد وفاته، في كل ما يتعلق بجميع القضايا الدينية والدنيوية عبادات ومعاملات وتسييرا للشأن العام، مصداقا لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة 44 وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} المائدة 45 وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة 47.
إن الحق سبحانه وتعالى يقسم بنفسه في هذه الآية الكريمة أنه لا يتم إيمان امرئ حتى ينقاد لحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ويطيع أمره ظاهرا وباطنا، ويسلم الأمر كله لمنهج الإسلام تسليما تاما برضا نفس وإقبال قلب، كما بين في مواضع أخرى أن هذا التسليم يجب أن يتجلى في واقع الحياة
(1) - حديث صحيح رواه مسلم والنسائي.