فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 326

{فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} أي كيف يكون حالهم إذا حلت بهم عقوبة نفاقهم، ففضحتهم واضطرتهم للاستنجاد بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، أو بالمسلمين بعد وفاته، متسترين على نفاقهم، ومقسمين بالله أنهم لم يقصدوا بما فعلوا إلا إصلاح ذات البين والتوفيق بين أطراف النزاع مؤمنين وكفارا، أو بين المناهج المتعارضة والآراء المتضاربة طلبا للأمن والسلامة؟، وكيف يعاملهم المسلمون وقد انكشف صدودهم عن الحق، وإصرارهم على التمسك بما لديهم من ضلال؟ وهل يستحقون العطف عليهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} ؟.

ويأتي التوجيه الرباني مباشرة عقب هذا الاستفهام الإنكاري لتصرفاتهم بقوله تعالى:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أولئك المنافقون الذين يخفون حقيقة نواياهم وأهدافهم ويلفقون المعاذير والحجج الواهية أمرهم غير خفي على الله تعالى، وهو الكفيل بفضح ما تنطوي عليه جوانحهم، القادر على كف شرهم. إلا أن حكمته عز وجل لا تغلق باب التوبة عن الذنب، ولا توصد طريق الأوبة إلى كنف الإيمان والإحسان، بل تفتح لهم سبيلا من الرحمة معالمه الحلم والموعظة ومواصلة التربية والتعليم وبيان الأخطاء المرتكبة بقوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أعرض عن أقوالهم وعن عقابهم أو عتابهم، ولا تهتك لهم سترا أو تظهر لهم علمك بما في بواطنهم، وقابل تصرفاتهم بالحلم، {وَعِظْهُمْ} ببيان عاقبة النفاق والتلاعب بالأحكام الشرعية {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} بَيِّنْ لهم بقول واضح مؤثر ما يشين أعمالَهم ويحبط إيمانَهم.

وبعد تقرير ضلال من يتحاكمون إلى غير منهج الله، ويعصون أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وبيان طريقة إصلاحهم بالحلم والموعظة الحسنة والتوعية المؤثرة، أنزل تعالى قاعدة عامة في إرساله الرسل كافة فقال:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وإذْنُ الله في هذه الآية الكريمة هو أمره وعلمه وتوفيقه وإرشاده، أي إنه تعالى ما أرسل من رسول إلا وقد أرشده إلى ما ينبغي تبليغه وعمله، وفرض على المؤمنين طاعته واتباعه والتحاكم إليه وتحكيمه في كل ما يختلفون فيه، لأنه مُؤَدٍّ عن اللّه، وطاعته طاعة للّه، ومعصيته معصية للّه كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} النساء 80. على الرسول التبليغ قولا وعملا وقدوة، وعلى المرسَل إليه الإيمان بالرسالة والطاعة للرسول بما يقتضيه تنزيل منهج الله تنزيلا عمليا في الحياة بكل قيمها وأوضاعها ونظمها وأخلاقها وعلاقاتها وعباداتها ومقاصدها، وليس على من ظلم نفسه من العصاة والمذنبين والمخطئين إلا أن يتوب فتحتضنه رحمة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت