الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا النساء 136، وقوله: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} الحج 12.
ولئن كان سبب نزول الآية في رجل من اليهود خاصم منافقا فدعاه للتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدله، ودعاه المنافق إلى التحاكم لكاهنٍ مُرْتَشٍ، فنزلت الآية فيهما وفي صنفيهما، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو بذلك توبيخ شديد لكثير من المسلمين في هذا العصر لنبذهم التحاكم إلى منهج الإسلام في الحكم والقضاء وتدبير الشأن العام، واتباعهم ما لدى غير المسلمين من نظم وتشريعات وقوانين وضعية تتعارض مع ثوابت الدين وأحكامه، وإصرارهم على ذلك كما هي عادة المنافقين في كل عصر، وكما بينه الوحي في قوله عز وجل:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} . وقوله عز وجل: {تَعَالَوْا} أمْرٌ بالإقبال على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوجه إليه وحضور مجالسه لتلقي تعاليم الدين ومناهجه، وتحكيم القرآن الكريم والسنة في حال حياته وبعد وفاته.
أما الصدود والصد لغة فهو الانصراف والإعراض عن الشيء كما في هذه الآية الكريمة، وقد يكون منعا عنه نحو قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} النحل 88. أما قوله تعالى: {صُدُودًا} فهو مصدر مؤكد لفعله {يَصُدُّونَ} أي ينصرفون عنه انصرافا شديدا.
ومعنى الآية الكريمة أن المنافقين لشدة تمسكهم بالضلال كلما دعوا إلى منهج الله في الكتاب والسنة أعرضوا عنه وتمادوا نفورا منه وتكبرا عنه وإصرارا على ما وجدوا عليه آباءهم، كما بينه الحق سبحانه في موضع آخر بقوله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} المنافقون 5، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} المائدة 104.
ولئن كان إعراضهم دائما لا يكون إلا استكبارا وتمردا، أو حرصا على منفعة آنية، أو في حال شعورهم بقوة فيهم، أو ضعف في المسلمين، كما هي عادة الكفار والمنافقين منذ عهد نوح عليه السلام إذ خاطب ربه عز وجل بقوله: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} نوح 7، فإن سنة الله فيهم أن يؤول أمرهم عاجلا أو آجلا إلى سوء، لذلك عقب الوحي الكريم بالتنبيه إلى ما ينتظرهم من محن ومصائب وفتن جزاء تمردهم على ثوابت الدين، وتلاعبهم بأحكام الشرع سرا، مع إعلانهم الإيمان بها جهرا، فقال تعالى: