فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 326

نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا الكهف 48، وقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} الإسراء 56.

ولفظ"الطاغوت"من فعل"طغى"إذا تجاوز الحد في العصيان، ومنه قوله عز وجل: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} النازعات 17، ويقال"طاغوت"لكل معبود من دون الله، وكل باطل مغرق في البطلان، وكل معتد أو مستبد أو مصادر لحرية الناس بغير حق، أما التحاكم إلى الطاغوت فهو اتخاذه مرجعا لتنظيم الحياة وتدبير شأن الأمة العام تشريعا وتسييرا وفصل قضاء.

والخطاب في هذه الآية موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إلى كافة المسلمين بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} الآية .. ، وهو استفهام إنكاري تعجبي لحال المنافقين الذين يدعون الإيمان بالله وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الرسل قبله، ثم يفضلون التحاكم إلى مناهج الطغيان والكفر. ويفهم من هذا الاستفهام أنه لا يجوز اتخاذ غير منهج الله كتابا وسنة مرجعا أو حَكَما، وأن الإيمان بالله وما أنزل من الكتاب لا يتم إلا بنبذ أنظمة الطغيان بكل أصنافها ومسمياتها اعتقادا وعملا، كما في قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} البقرة 256. ولا يخفى أن مفهوم الشرط في هذه الآية أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى التي هي الإيمان بالله ورسوله، وهو بذلك بمعزل عن تمام الإيمان، ولذلك عقب الحق سبحانه مؤكدا وجوب الكفر بالطاغوت شرطا لتمام الإيمان بقوله: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أَمَرَهُم صاحبُ الأمر تعالى في جميع كتبه المنزلة بأن يكفروا بالطاغوت وينبذوا التحاكم إليه اعتقادا واتباعا وطاعة، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل 36، لأن الكفر به شرط الإيمان بالله وركنه، ولا يجتمع في قلب مؤمن إيمان بالله مع إيمان بطاغوت أبدا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} الزمر 17.

وليس من سبب لعبادة الطواغيت في كل عصر إلا ما يزينه الشيطان لأوليائه من حرص على مصالح وأهواء وشهوات ظالمة منحرفة، وما يريده لهم من ضلال عن طريق الحق، وهو معنى قوله عقب ذلك: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ} بتزيين التحاكم للطاغوت {أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} أن يبعدهم عن طريق الهداية وسبل التوبة إبعادا كبيرا، ويقصيهم عن الإيمان الحق بالله ورسوله، وعن معرفة الأحكام الشرعية عبادة وتقاضيا وولاء وبراء، كما في قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت