ولئن كان سوء الاختيار أغلب على طبائع الناس من حسن الاختيار فإنما ذلك لما ران عليها من خفة العقل وضحالة العلم، وما كانت السفاهة والجهل يوما حجة للناس عند ربهم، لأنه تعالى قد خلق الإنسان بفطرته سويا فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} التين 4، وقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} الشمس 7/ 10، ثم أمده بأدوات الاختيار الرشيد وحيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة نبوية هي الأسوة الحسنة والمثل الأعلى والمرشد إلى حسن الاختيار، ثم خاطبه بقوله عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} الزمر 41.
في هذا السياق عرضت آيات الحلقة السابقة على البشرية منهجا لتدبير الشأن العام تتحاكم إليه، بعد أن شقي الناس بمناهج عقولهم القاصرة الضعيفة، وجربوا أنظمة للحكم كسروية وقيصرية وديمقراطية يونانية ومجلسية ورئاسية وبرلمانية، فلم يتم لهم أمن ولم تتحقق لهم مساواة ولا عدل ولا حرية ولا كرامة، وأصبح تمام رشدهم وسعادتهم لا يتحقق إلا باختيار هذا المنهج القرآني الرشيد، لأنه من خالق الكون ومدبره أولا، ولأنه بريء من الجهل والقصور والهوى والجور والمحاباة، ولأن عاقبته سعادة الدنيا والآخرة، ولأن العمل به دليل صدق الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولئن كان الإيمان الحق هو ما وقر في القلب وصدقه السعي والعمل، فإن الناس في التعامل مع هذا المنهج أربعة أصناف، صنف مؤمن به اعتقادا وعملا، وصنف مؤمن به عاجز عن العمل به، وصنف كافر به معاد له، وصنف أشد خطرا على الأمة في أمرها الجامع وشأنها العام، لسانه يدعي الإيمان وعمله يعلن الكفر، وغاية جهده التشكيك في صلاحيته للتطبيق، وفي صدق العاملين به والساعين من أجله، وهو طابور المنافقين.
لذلك ما إن عرض القرآن الكريم في الآيات الكريمة السابقة هذا المنهج حتى عقب بالتحذير من طابور المنافقين الذين يعلنون الولاء بألسنتهم ويمارسون التخريب بعملهم وسعيهم فقال عز وجل:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} .
وقوله تعالى: {يَزْعُمُونَ} أي: يدَّعون ما ليس حقا، من"الزعم"وهو حكاية قول يكون مظنة للكذب، ولذلك يقال: الزعم مطية الكذب، وقد ذم القرآن القائلين به في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} التغابن 7، وقوله: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ