وغير خفي على مطلع أن هذا النظام بدأ أول عهده راشدا، وخلافة على نهج النبوة، فتسنم المسلمون به أعلى مراتب المجد والسؤدد والكرامة، والحرية والأمن والسلام، ثم أخذ انحراف الحكام يبعدهم عن المسار الرشيد تدريجيا، وتبتعد الأمة تبعا لذلك عن السواء وسداد الأمر، إلى أن أعرضت مطلقا عن منهج الله تعالى في تدبير أمرها العام وصدت عنه واختارت غيره، فأضحت مغنما لأعدائها، يستنزفون خيراتها ويستذلون أبناءها، ويعيثون في أرجائها فاحشة وشذوذا وفسادا، وامتلأت قلوب أهلها نحو بعضهم حقدا وبغضاء وتحاسدا وقسوة، وأشربت نفوسهم البخل والشح والحرص وعبادة الأهواء، وألبسوا شيعا وفرقا وعصابات متناحرة سالت بها الدماء أنهارا، وانتهكت بها أعراض الأحرار والحرائر جهارا، وحق فيهم جميعا قوله عز وجل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} النحل 112 - 113.