فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 326

أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ... ).

إن"أولي الأمر"كما ورد في الآية الكريمة، وفي تطبيقات وثيقة المدينة، وفي خطبة حجة الوداع، هم المسلمون عامة، وإنما ينتدبون لتنفيذ قراراتهم المتعلقة بتدبير شأنهم العام من يرضون قدرته وكفايته ونزاهته وتقواه، محتفظين بحقهم في تقنين شروط الاختيار والاستبدال والإعفاء والمحاسبة في إطار الشورى الجماعية واجبة التنفيذ، لذلك فرض الله تعالى طاعة من تكلفهم الأمة بخدمتها وتنفيذ قراراتها، لأن طاعتهم طاعة للأمة التي هي صاحبة الأمر، فإن طرأ خلل في الاختيار أو التسيير أو التنفيذ وأنشأ تنازعا واختلافا كانت منهجية الحل وإعادة الوفاق ورأب الصدع هي قوله تعالى عقب ذلك:

{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} . وقوله تعالى: {تَنَازَعْتُمْ} من أصل الفعل"نزع"ويدل على قلع شيء، ونَزَع الشيءَ من مكانه نزعا إذا حوَّله من موضعه، وقد نازعني منازعة ونزاعا إذا جاذبني في الخلاف، ومنه التنازع وهو مجاذبة الحجة والآراء بشكل يؤدي إلى الخصومة.

أما الرد إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو إنهاء أمور الخلاف إلى أحكام القرآن الكريم، كما قال تعالى أيضا في الآية 10 من سورة الشورى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، وإلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أقوالا وأفعالا وتقريرات بَيَّنَ وجوبَها بقوله عليه السلام: (لا ألْفِيَنَّ أحدَكم متّكئًا على أريكته يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه) ، وقوله: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله)

لقد حرم الله تعالى التنازع بين المسلمين وناط به الفشل والاندثار بقوله عز وجل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الأنفال 46، وجعل تمامَ المسالمة بينهم وَحْدةَ العقيدة وأخوَّةَ الإيمان واستشعارَ المسؤولية بين يدي الله تعالى فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} آل عمران 103، إلا أن الأمة الإسلامية في هذا العصر طال عليها الأمد - إلا قليلا ممن رحم الله - فارتكست في الاختلاف الشديد والتنازع المزمن، وفرقت دينها فألْبِسَتْ شيعا وأحزابا ذاق بعضها بأس بعض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت