فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 326

ثم إن الأمر بالطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ولأولي الأمر، جاء مطلقا وعلى سبيل الجزم، وكل ما ورد الأمر بطاعته على سبيل الجزم والإطلاق لابد أن يكون معصومًا؛ والرسول صلى الله عليه وسلم معصوم، والحكام غير معصومين، بل إن آحاد المسلمين كلهم غير معصومين، والعصمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تجعل إلا لإجماع الأمة في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ؛ فجاز أن يحمل تعبير"أولي الأمر"على إجماع المسلمين في قضاياهم الدنيوية، أي ما تنعقد عليه كلمتهم بعد تشاورهم كما فعل عمر بن الخطاب في أرض سواد العراق، لا سيما والحديث المذكور في غاية الاستفاضة وكاد يبلغ مرتبة التواتر المعنوي، وقد عده الغزالي أقوى وأدل على المقصود في الموضوع، ويؤكد السرخسي في أصوله الكلام نفسه بقوله:"الآثار في هذا الباب كثيرة تبلغ حد التواتر لأن كل واحد منهم إذا روى حديثا في هذا الباب سمعه في جمع ولم ينكر عليه أحد من ذلك الجمع فذلك بمنزلة المتواتر".

كما أن نسبة الأمر العام للأمة بكاملها في آية الشورى صريح في بيان المقصود من"أولي الأمر"، لأن الخطاب في هذه الأية موجه لعامة المؤمنين وليس لخاصة الحكام، كما يتضح من سياق قوله تعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} الشورى 36/ 38، ولا شك أن من الصفات المشتركة في المجتمع المسلم اجتناب الفواحش والتغافر وإقامة الصلاة وإقامة الشورى والإنفاق في سبيل الله، وهي كلها تكاليف شرعية منوطة بالأمة الإسلامية كلها وليس بأفراد مخصوصين حكاما أو علماء أو رجال سياسة أو قادة جيوش.

إن أول خطوات تدبير الشأن العام أن تنشأ الجماعة المسلمة (الأمة) حول بذرة العقيدة وتتفاعل بها ومعها ومن أجلها، وتنظم شأنها العام بواسطة الشورى الجماعية قرارا وتنفيذا ومحاسبة ومراقبة، بمنأى عن التراتبية السلطوية الهرمية، بما يحقق التعاطي الإيجابي البناء، بين الأمة وبين قيادتها الخدمية التنفيذية، دون احتكار للخيرات، أو مصادرة للرأي والحريات، أو سقوط في شراك الفتن الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو الطبقية أو الحزبية، لأن كافة المواطنين في دولة الشرعية سواسية أمام عقيدة سمحة وشريعة عادلة ونظام هو مِلْك لهم جميعا.

ذلك ما نصت عليه وعملت به أول وثيقة إنسانية نظمت حياة الناس في الأرض، وثيقة المدينة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هجرته إلى يثرب، تنظيما لساكنتها من المسلمين وغير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت