القياس الفاسد إلى أن الشورى واجبة على الحاكم وحده إن قام بها وفّى وإن لم يقم بها أثم وحده، ولا حق للأمة في محاسبته أو عزله، لأن حسابه على الله يوم القيامة.
إن كلمة"أولي"في اللغة العربية ليست بمعنى أولياء، ولكنها اسم جمع بمعنى"ذوي"، وواحده"ذو"على غير قياس، فلا واحد لـ"أولي"من لفظها، وذلك مثل: الخيل مفردها حصان، الإبل مفردها: جمل، والنساء مفردها: امرأة. وعلى ذلك فقوله تعالى: {وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} معناه:"ذوي الأمر منكم"أو"أصحاب الأمر منكم"، وهو نفس المعنى للفظ"أولي"في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} الإسراء 5، وقوله: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} الفتح 16، وقوله: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} النمل 33، وقوله: {وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} الأنفال 75. وإذا ما استحضرنا في الأذهان قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38 تبين لنا أن أولي الأمر وأصحابه وذويه هم المسلمون عامة، أي أن أمر المسلمين شورى بين المسلمين، وطاعة قراراتهم المنبثقة بالشورى بينهم واجبة، ولو كان المعنى هو إطاعة الحاكم وأن الأمر له، لقيل:"وأطيعوا الرسول وذا الأمر منكم"، لأنه لا يكون في الزمان الواحد والمكان الواحد عند الفقهاء إلا إمام واحد، أما وقد وردت الآية: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} بصيغة الجمع، أي ذوي الأمر وأصحابه، فلا يمكن حملها على الحاكم، لأن حمل الجمع على المفرد خلاف الظاهر.
ولعل مما يجعل معنى الآية ملتبسا على بعضهم أيضا، اعتبارهم أن حرف الجر:"من"في قوله تعالى: {وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} للتبعيض، في حين أنها وردت هنا لبيان الجنس، وليس للتبعيض، كما في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} الفتح 29، وفي قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} النور 55، وقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ} الحج 30، وقوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} الكهف 31.
وبما أن علامة"مِنْ"البيانية أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها، أي أن يصح وقوعها صفة لما قبلها، وأن يناسب وضع"الذي"موضعها، فإننا نقول:"الرجس هي الأوثان"، ونقول:"الأساور هي ذهب"، ونقول أيضا:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم أنتم"، ونقول أيضا:"أولو الأمر"هم ضمير الخطاب في"منكم"، أي:"أولو الأمر الذين هم أنتم".