فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 326

تتنازل عن ثوابتها إلا إذا بلغت بها الأنانية واللؤم والجشع درجة مرَضية لا أمل في شفائها، وهي الحالة النفسية والسلوكية والعقدية التي يقدمها لنا الوحي الكريم ممثلة في يهود المدينة، فبعد أن وصفهم بالضلال والإضلال ثم بتفضيل الشرك على الإيمان، وصفهم في آيتين تاليتين بشر الخصال الحاضنة لكل المخازي والشرور: البخل والحسد، وهما خصلتان تشتركان في أن صاحبهما يريد منع الخير عن الناس، إلا أن البخيل يمنع الناس ما عنده، والحاسد يريد أن يمنع الناس ما عند الله، قال تعالى:

{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} وحرف"أم"في بداية الآية للإضرابِ عما سبق من الكلام والانتقالِ منه - وهو ذمهم على الإيمان بالجبت والطاغوت وسجودهم للأصنام وتفضيلهم إياها على عقيدة التوحيد - إلى توبيخهم على البخل والشح والأثرة والحسد وادّعاء ما ليس لهم فيه نصيب، والاستفهام في الآية على معنى الإنكار، ينكر عنهم وينفي ما يزعمونه وينتظرونه من ملك سيصير إليهم، ويذمهم على البخل المفرط الذي لا يناسب أخلاق الملوك ولا يليق بمن يدعي الملك أو ينتظره، والمعنى: بل ليس لهم نصيب من الملك الذي يدعونه، لأنهم مطبوعون على الأنانية وحب الذات والتعلق بالمادة، والغرور الكاذب، والاستعلاء الأجوف، ولو كان لهم نصيب من الملك {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} ولفظ"إذن" [[1] ]حرف جواب وجزاء للاستتفهام الاستنكاري السابق وهو قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ... } ، والنقير من فعل"نقر الشيء ينقره نقرا"أي ضربه بالمنقار الذي هو حديدة كالفأس ينقر بها، ومنه منقار الطائر ينقر به الحب أي يلتقطه به، والنقير في هذه الآية هو النقرة في النواة يضرب بها المثل في القلة، وفي حديث عبد الرحمن بن شِبْل قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نَقْرَة الغراب وافتراش السبع وأن يُوطِّن الرجل المكان في المسجد كما يوطِّن البعير) [[2] ].

(1) -"إذن"تكتب عادة بالنون لأنها الأصل فيه، وإن أجاز الفَرّاء أن تكتب ألفا لصحة الوقوف عليها.

(2) - نَقْرَة الْغُرَاب: بفتح النون، كناية عن تخفيف السجود بحيث لا يمكث المصلي فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.

افتراش السبع: مشابهة السبع في افتراشه عند السجود، وذلك بأن يبسط المصلي ذراعيه في الأرض كما يبسط السبع أو الكلب يديه إذا أقعى، وقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجدت فضع يديك وارفع مرفقيك) ، وعن آدم بن علي قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فافترشت ذراعي، فقال لى:"لا تفترش افتراش السبع، وادعم على راحتيك، وأبْدِ ضبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك". والضَّبْع بفتح فسكون: العضد، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجافي في سجوده حتى يُرى بياضُ إبطيه.

يوطِّن مجلسَه: أن يعتاد مجلسا واحدا في المسجد يحرص على اتخاذه موضعا لصلاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت