ومجمل معنى الآية الكريمة: إنهم لشدة بخلهم لا يعطون غيرهم أقل القليل وأتفهه، ولو ملكوا من الدنيا أكثرها، لقد حُرموا الإذعان للحق كما حرموا الملك والتمكين ولو أوتوه ما نفعوا الناس بشيء منه مهما كان ضئيلًا وحقيرا، وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ... } قال:"فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرًا"، والآية بذلك ذم لهم بلازم الضلال والجهل المؤديين إلى الشرك والبخل، وتهكم على انتظارهم عودة التمكين والملك إليهم، وليس لهم أخلاق من يرجو ذلك كرما وسماحة ورحمة، قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} الإسراء 100.
وبعد التعجيب من حال يهود المدينة إذ انهارت لديهم ثوابت العقيدة، وأعلنوا الشرك استنصارا بالمشركين، وادعوا عودة الملك لهم وليس لهم من أخلاقه ما يناسبه، أخذ الوحي في استنكار موقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، حسدا له، وغيظا مما مَنَّ الله به عليه وعلى أمته من الدين الحق، والرسالة الخاتمة والنصر والتمكين فقال تعالى:
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وحرف"أم"للإضراب بمعنى:"بل يحسدون الناس"الذين هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، والحسد لغة هو تمني زوال النعمة عن الغير والحرص على ذلك، وهو في جوهره اعتراض على مشيئته عز وجل، لأن الفضل بيد الله يعطيه لمن يشاء، كما أنه خصلة مقيتة تزرع البغضاء والتنافر في القلوب، ولا ينبغي أن تحل في قلب المؤمن، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد) ، وقال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) . أما أن يتمنى المرء أن يكون له مثل ما عند الناس فليس من الحسد في شيء، وهو الغبط الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مجازا حسدا فقال: (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلَّطه على هَلَكَتِه في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) .