فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 326

الله عليه وسلم وأقوم عقيدة وأرشد طريقة، وسمى الحق سبحانه قولهم هذا إيمانا عمليا وقوليا بالجبت والطاغوت، أي كفرا بالله تعالى بمفهوم المخالفة.

ذلك لأن الإيمان العملي هو كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كالصلاة والزكاة وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود وشكر النعم والرضاء بالقضاء والقدر، وهو العبادة في الحقيقة كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي) الذاريات 56، وقال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) ، كما أن الكفر العملي يقتضي تقديم الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة لغير الله أصناما مادية أو معنوية أو مصالح وأهواء؛ ولئن كان العلماء قد أفاضوا الحديث عن الإيمان الاعتقادي (معرفة وحدانية الله تعالى) لكونه المدخل الأول للإسلام، فقد أغفل كثير منهم الكلام عن الإيمان العملي، ففهم العامة أن الاعتقاد القلبي وحده كاف في النجاة بين يدي الله عز وجل، وإن لم يوحدوا توحيدا عمليا، وفاتهم أن التوحيد الكامل اعتقاد وقول وعمل وأن يهود المدينة كانوا يؤمنون بالله تعالى ولم ينقذهم هذا الاعتقاد من العذاب لأنهم أشركوا في القول والعمل، وما حملهم على هذا الانحراف العقدي إلا ما عدوه مصلحة سياسية، وهو عين ما تفعله بعض الأحزاب السياسية المعاصرة التي تجترئ على ثوابت الدين بدافع المصلحة والضرورة والمقاصد التي يتوهمونها. ثم عقب الحق تعالى على فعل يهود المدينة بقوله تعالى:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} واللعن هو المقت والطرد من رحمة الله، أي أولئك الذين آمنوا بالجبت والطاغوت وفضلوا عبادة الأصنام على عبادة الله قد غضب الله عليهم ومقتهم وطردهم من رحاب رحمته {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} ومن يناله غضب الله عز وجل فلن يجد له في الدنيا والآخرة من ينصره، سواء في ذلك من استنصروا بالجبت والطاغوت قديما، ومن يستنصرون حديثا بأعداء الأمة لما ظنوه ضرور سياسية تبيح التخلي عن ثوابت الدين عقيدة أو شريعة أو منهج حياة، والآية بذلك إخبار من الله تعالى بعاقبة أمرهم في أي حرب يوقدونها، أو معركة يخوضونها، قال عز وجل: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} المائدة 64، وقال: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} آل عمران 111.

لاشك أنهم كانوا يعرفون الحق الذي هو عبادة الواحد سبحانه، ولكنها الشطارة السياسة الناتجة عن خلل في تركيبتهم التربوية والنفسية - كما هو شأن بعض فقهاء الضرورة والمقاصد على أعتاب طواغيت كل عصر - أباحت لهم السجود للأصنام تزلفا ومداهنة لمشركي قريش من أجل استدراجهم إلى حلف الأحزاب ضد عدوهم المشترك وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. والنفوس المختلة لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت