والجِبْت لغة هو الصنم، أصله"الجِبْس"وهو الذي لا خير عنده، أبدلت سينه تاء، ويطلق على كل ما عبد من دون الله، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان بما يأتي به السحرة والخرافيون عن الغيب جبتا، لكون علم الغيب لله تعالى وحده، وقال فيما أخرجه أبو داود في سننه: (الطَّرْق والطِّيَرَة والعِيَافة من الجبت) [[1] ]. أما الطاغوت فهو الشيطان، ويطلق على كل ما يُطغي الإنسان من جن وإنس ومال وجاه وسلطة.
والخطاب في هذه الآية موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلاله للمسلمين عامة، وتقديره:"ألم يثر عجبك يا محمد رؤيتك يهود المدينة الذين أوتوا حظا من العلم بالتوراة يزكون عبادة الجبت والطاغوت ويؤمنون بها ويقِرُّون عليها ويحكمون بأفضلية عبادتها على عبادة الله تعالى؟، أليس موقفهم هذا مثيرا لدهشة أهل العلم بالدين الحق وجوهره؟".
لقد عَدَّت هذه الآية الكريمة سجود يهود المدينة للأصنام إيمانا بها، لأن الإيمان اعتقادي وقولي وعملي، كما أن الكفر اعتقادي وقولي وعملي، ولا يجتمع إيمان وكفر في قلب امرئ أبدا، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} النحل 36 وقال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} البقرة 297، وقد سقط يهود المدينة في الكفر العملي وهو سجودهم للأصنام، وسقطوا في الكفر القولي بقولهم لكفار قريش: {هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} أي: دين هؤلاء عبدة الأصنام أكثر هداية من دين محمد صلى
(1) - الطرق: نوع من الكهانة كان عند العرب يسمى علم الخط وعلم الرمل، ما زال في المغرب من يستخدمه من المتكهنين، ويزعمون أنهم يستخرجون به ما في الضمير ويخبرون به عما في الغيب، وذلك أنهم يخطون خطوطا أو نقطا كثيرة ثم يتعاملون معها بأوضاع واصطلاحات تقتضي نتائج معروفة لديهم.
والطِّيَرَة على وزن عِنَبَة، وهي ما يُتَشاءَمُ به من الفأل الرديء. وفي الحديث: أنَّه صلى الله عليه وسلم (يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة) ، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} النمل 47
والعيافة من الكهانة أيضا، وهي زجر الطير، كان الرجل يرمي الطائر بحصاة ويصيح، فإن طار واتجه ميمنة تفاءل، وإن اتجه ميسرة تشاءم ولم يقبل على ما عزم عليه.