أمري"، فقال إسماعيل:"أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي، أن تحكِّم فيك أهل الشرك، وفي بناتك وحرمك، وهم الروم لا وفاء لهم، ولا تدري ما تأتي به الأيام، فإن أنت حدث عليك حادث بالروم، ولا يحدث إلا خير، ضاع أهلك من بعدك"، فما لبث مروان أن أبصر الحق وتذكر ثوابت دينه وفضل الفرار إلى أرض المسلمين في مصر حيث قتله العباسيون فيها."
كما تحضرني بالمناسبة أحداث سقوط بغداد على يد التتار قديما وسقوطها مع أقطار أخرى مسلمة على يد الغرب حديثا، وقد مهد لذلك مسلمون انهارت لديهم ثوابت الدين والوطن والقوم والقيم الإنسانية والقوانين الوضعية التي تُعَدّ بها فعالُهم خيانة عظمى إن لم تكن ردة وخلعا للربقة.
إن انهيار الثوابت الدينية والقومية والوطنية لدى أي أمة مؤشر واضح على اندحارها الوشيك، واندثار أمرها بين الأمم، بذلك جرت سنة التدافع في الأرض، وليست أمم الرسالة على تتابع النبوات وتوالي نزول الكتب بشاذة عن ذلك، وقد نسخت ديانة موسى بعد انهيار ثوابتها في قلوب بني أسرائيل، ثم نسخت معها ديانة النصارى لنفس السبب. يتضح هذا الانهيار الحاد لأهم ثابث ديني لدى اليهود في توراتهم وهو التوحيد، عندما خرج حُيَيّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديان إلى مكة في سبعين راكبًا من يهود المدينة ليحالفوا قريشًا على محاربة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وينقُضوا العهدَ الذي كان بينهم وبينه، فقالت قريش لهم: أنتم أهلُ كتابٍ وأنتم أقربُ إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكرَكم فاسجُدوا لآلهتنا حتى نطمئنَّ إليكم فسجدوا للأصنام، وقال أبو سفيانَ لكعب: إنك امرُؤٌ تقرأ الكتابَ وتعلم، ونحن أُميون لا نعلم فأيُنا أهدى طريقًا؟ نحن أم محمدٌ؟ فقال: ماذا يقول محمد؟ قال: يأمر بعبادة الله وحدَه وينهى عن الشرك، قال: وما دينُكم؟ قالوا: نحن ولاةُ البيتِ نسقي الحاجَّ ونَقْري الضيفَ ونفُكّ العانيَ، وذكروا أفعالَهم، فقال: أنتم أهدى سبيلًا. فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم تعجيبا له من انهيار الإيمان في قلوب بني إسرائيل بالسجود للأصنام وتفضيل الشرك على التوحيد الذي هو عماد ديانتهم الأصلية في التوراة، بقوله عز وجل:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} ومضمون هذه الآية تعجب من تعارض ما يفعله يهود المدينة مع مقتضيات التوحيد في توراتهم، إذ آمنوا بالجبت والطاغوت بدلا من أن يتمسكوا بالإيمان بالله وحده، واستنصروا بالمشركين بدلا من الاستعانة بالله وحده، واستنصحوا سدنة الأوثان نابذين نصائح الأنبياء والمرسلين، وفي مقدمتها نصيحة موسى عليه وعليهم السلام: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف 128.