{انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} انظر يا محمد وتعجب من هؤلاء المنحرفين المحرِّفين الذين يختلقون الكذب على الله {يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} ، وكفى بهذا الافتراء وحده إثما ظاهرا بينا {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} مُرْكِسا لهم في أشد العقاب، قال عز وجل: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} الزمر 60
لعل ما يثير الانتباه في هذه الآيات المتعلقة بما ارتكبه أهل الكتاب هو توجيهها الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} ثم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} ثم {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته أيضا، فهل ثمة ما يشير إلى احتمال سقوط المسلمين فيما سقطت فيه أمم الرسالة قبلهم من تغييرٍ وتبديل لكلام الله، ومن أخْذٍ لبعضه وتركٍ لبعضه، ومن غرورٍ وتزكية للنفس وادعاءِ الانتساب لعقيدة التوحيد دون العمل بشرائطها؟.
أما تغيير كتاب الله تعالى فالقوم أعجز عن القيام به لأن الله تعالى تكفل بحفظه وقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر 9، وإن ظهر في المسلمين حاليا من يحاول الافتراء على الله لتمييع أحكام الدين بدعوى تغير الأحكام بتغير الزمان وبطلانها بتطور الإنسان، أو بتأويل فج باطل حينا، وانتحال مقاصد تزعم الاطلاع على مقاصده عز وجل حينا آخر؛ وأما إيثار الضلالة والعمل على الإضلال فقد عرف من ذلك مجتمع المسلمين حدا أفتى فيه بعض علماء السلاطين بتحريم الواجب وإباحة المحرم، مما لا يناسب الإيجازَ إيرادُ نماذج منه في هذا المجال. وأما الغرور وتزكية النفس فقد أتى فيهما المسلمون في هذا العصر بالعجب العجاب، وصنفوا أنفسهم فئات ناجية وأخرى مخلدة في النار، وقوما نزل القرآن بلغتهم فهم أفضل من غيرهم ولو هجروه ولم يعملوا به، وآخرين من غيرهم أدنى درجة مهما تمسكوا به وأخلصوا العمل به. كما ارتكب كبراؤهم الفواحش والكبائر جهارا فتقرب إليهم العامة بارتكاب نفس الفواحش نيلا لرضاهم وطمعا في أعطياتهم مالا ومنصبا وجاها، ولئن قتل اليهود الأنبياء والمرسلين فقد قتل حكام المسلمين وأعوانهم دعاة القسط والعدل والدين وشردوهم وصادروا حرياتهم وأموالهم وطاردوهم في الآفاق.
ولئن كان الله تعالى قد مكن لبني إسرائيل ما لم يمكن لأحد من العالمين وجعلهم من بعد ضعفهم أئمة وارثين: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} القصص 5، وسخر لهم في عهد نبيهم سليمان عليه السلام من وسائل القوة ما لم يسخر لغيرهم، وقال تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ