ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال: لا، فقالوا: والله ما نحن إلا كهؤلاء، ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل. وعنه أيضا قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو، وشاس بن عدي فكلموه، وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا:"ما تخوفنا يا محمد .. نحن والله أبناء الله وأحباؤه". لذلك عقب الوحي على هذه التصرفات الشاذة والمزاعم النزقة بقوله للرسول صلى الله عليه وسلم:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} ؟ ولفظ"يزكون"من أصل الفعل زَكا يزكو زَكاء، ويدل على نماء وزيادة وطهارة، فمن النماء زكا الزرع أي ربا، ومن الزيادة قول الإمام علي رضي الله عنه:"المال تنقُصه النفقة والعلم يَزْكُو بالإنفاق"ومن الطهارة قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ، وقولهم: تزكى وزكَّى نفسه أي طهرها ونماها بالأعمال الصالحة، ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاهَا} الشمس 9/ 10، أي قد فاز من طهر نفسه وقد خسر من أغواها ولوثها بفاسد القول والعمل، كما قد تعني تزكية النفس مدحها بالحق أو بالباطل وكلاهما مذموم كما في قوله تعالى {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} النجم 32، أما لفظ الزكاة فمعناها لغة الطهارة والنَّماء والبركة والمدح وكلها قد استعملت في القرآن والحديث.
وقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} ؟ أي ألم تعجب يا محمد لرؤيتك أهل الكتاب وهم يتمادحون بالباطل استكبارا واغترارا وكذبا على الله؟، ألم يعلموا أن التزكية شهادة؟ وشهادة المرء لنفسه لا تجوز عرفا ولا قضاء ولا منطقا، ومادامت التزكية متعلقة بمجال الغيب وأحكام الآخرة حسابا وجزاء وتفاضلا بين الأمم أو نجاة من العذاب فهي خاصة به تعالى يقررها لمن يشاء من عباده {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} ، حسب حكمته وعلمه بدواخل القلوب وخفي النوايا وصواب الأعمال، من غير ظلم أو حيف أو نقص للأجر أو غمط للحقوق {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} أي: لا يظلمون أدنى ظُلمٍ أو أصغره، ولا يُنْقَص من أجرهم أو يُزاد في أوزارهم مقدار فتيل، والفتيل هو الخيط الدقيق في شِقّ النواة، ضرب الله به المثل لدقة عدله يوم القيامة، كما في قوله أيضا: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} الإسراء 71.
إن تزكيتهم لأنفسهم تضمنت إثمين عظيمين أحدهما ادعاؤهم الاتصاف بما هم متلبسون بنقيضه، وثانيهما ادعاؤهم قبول الله لهم وارتضاءَه أعمالهم ونيلهم المرتبة العالية عنده، وكلا الإثمين عظيمان عند الله اعتقادا وعملا، لذلك نبه عز وجل إلى ذلك داعيا للتعجب منه بقوله تعالى: