فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 326

ثم عقب الحق سبحانه ببيان حقيقة الشرك وأنه افتراء وكذب على الله تعالى فقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} أي: ومن يشرك بالله في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته فقد {افْتَرَى} اختلق زورا وإفكا وارتكب إثما عظيما بجحوده وحدانية الله، واتخاذه شركاء له في الاعتقاد أو التشريع أو الأمر والنهي. لذلك كان أخطر ما يحتمل ارتكابه في الدين هو الشرك خفيا أو ظاهرا، وكان كل ذنب سواه قابلا للمغفرة ما توفرت شروطها، وفي الحديث الذي أخرجه السيوطي وصححه: (ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب يغفر، فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فذنب العبد بينه و بين الله عز و جل، و أما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا) . وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله عز وجل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} المائدة 72، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة) ، لذلك يرى الفقهاء أن هذه الآية من أرجى الآيات في كتاب الله، وفي صحيح البخاري عن أبي ذر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) . قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق) . قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق) . قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر) . وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر.

إن أهل الكتاب في مواجهتهم لدعوة التوحيد لم يكتفوا برفضها والتشكيك فيها والوقوع بتصرفاتهم وأقوالهم في الشرك، بل كانوا لغرورهم يزكون أنفسهم ويستعلون على المسلمين ويستهينون بما تنذرهم به آيات القرآن، ولَمَّا هددهم القرآن بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} قالوا: لسنا من المشركين، بل نحن خواص الله تعالى {نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ} المائدة 18، وقالوا: {لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} البقرة 80، كما حكى القرآن عنهم أيضا أنهم قالوا: {لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} البقرة 111، وبعضهم كانوا يقولون: إن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا، ويتعمدون التحريف وارتكاب الموبقات ويطمعون في المغفرة كما في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} الأعراف 169، وعن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت