تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله تعالى في ذلك: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} آل عمران 113.
وفي عهد عمر رضي الله عنه أسلم علم من علماء بني إسرائيل هو كعب الأحبار، في قصة طويلة نجتزئ منها قوله: (كنت ذات ليلة على سطحي وإذا أنا برجل من المسلمين يقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} . فلما سمعت هذه الآية خفت والله أن لا أصبح حتى يُحَوَّل وجهي، فما كان شيء أحب إلي من الصباح أن يَرِد، فلما أصبحت غدوت من منزلي وسألت عن عمر فقيل لي إنه ببيت المقدس فقصدت إليه وإذا به قد صلى بأصحابه صلاة الفجر عند الصخرة، فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: من أنت؟ فقلت له: أنا كعب الأحبار وإنني جئت أريد الإسلام والدخول فيه فإني وجدت صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في الكتب المنزلة.
ثم في تحذير واضح لبني إسرائيل من أن يغتروا بادعائهم الانتماء إلى موسى عليه السلام أشار الحق سبحانه إلى أنهم قد هدموا أساس دينهم بالشرك الذي لا يغفر فقال:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، والمراد بالشرك في هذه الآية مطلق الكفرِ المنتظمِ لكفر اليهودِ، لأنه لا يشمل عبادة غير الله معه أو من دونه فحسب، ولكنه يتحقق أيضا باعتماد غير الأحكام الشرعية المنزلة في التوراة، كما بين ذلك الحق سبحانه بقوله عن المتاجرين بانتحال الأحكام الدينية المزيفة: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} البقرة 79، وقوله عن تشريعات الأحبار والرهبان من غير الكتاب مطلقا: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} التوبة 31. ولئن لم يجعل القرآن الشرك عنوانا لهم فذلك لأنه ليس من أصل دينهم، وليميزهم عن المشركين بعبادة الأوثان.
إن هذه الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} هي الفاصلة في بيان آيات الوعد والوعيد عند أهل السنة والجماعة، وذلك أن الناس أربعة أصناف: كافر مات على كفره فهو مخلد في النار، ومؤمن محسن فهو في الجنة بإجماع، وتائب مات على توبته فهو لاحق بالمؤمن المحسن، ومذنب مات قبل توبته فهو في المشيئة.