فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 326

عليهم الصلاة والسلام، والقرآن بذلك مصدق لما مع بني إسرائيل في كتابهم قبل تحريفه، وهو قوله تعالى لهم: {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} ، وكان العقل والمنطق يقتضيان أن يقارنوا بين الكتابين فيعرفوا أن مُنَزِّلَهما واحد هو الله تعالى، وأن يكونوا أول المؤمنين، إلا أن التعصب والحسد أعمى أبصارهم وأضل أعمالهم فكانوا أول كافر به، وفي ذلك يخاطبهم عز وجل بقوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} البقرة 40/ 41.

ولأن الخطاب موجه لعلماء بني إسرائيل فقد هددهم القرآن الكريم بما يعلمون أن له سابقة وقعت في أسلافهم فقال تعالى معقبا على دعوتهم للإيمان: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} ، وطمس الوجوه هو محو ملامحها وصفاتها البشرية وتحويلها من صورةٍ حسنةٍ إلى أخرى أقبح، كما فعل تعالى بمن اعتدى منهم في السبت، قال عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} البقرة 65، وقال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} المائدة 60. أما الرد على الأدبار فهو صدهم عن سبل الهدى إذا ما حقت عليهم لعنة الله تعالى.

وقد آتت هذه الدعوة ثمارها لقوة حجتها على صدورِ القرآن والتوراة من مشكاة الوحي وعلى تصديقِ القرآن لِمَا نَزَل على موسى عليه السلام، ولصرامة التهديد بما يعلمونه من مسخ وطمس وقع حقا في بعض أسلافهم، فأقبل أكابر علماء اليهود على الإسلام، يقدمهم عبد الله بن سلام، أعلم أحبارهم وأعلاهم نسبًا، جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وشهد شهادة الحق، ثم قال: (يا رسول الله، إن اليهود يعلمون منزلتي فيهم ومكانتي؛ ولكنهم قوم بُهت، ادْعُهم وسَلْهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فدعا اليهود، قال: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا. قال: ألا تسلمون؟ قالوا: لا، قال: وإذا كان عبد الله بن سلام قد أسلم؟ قالوا: حاشا لله، ولا يمكن أن يسلم، قال: اخرج عليهم يا عبد الله، فخرج عبد الله عليهم وقال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أنه النبي الحق الذي كنا ننتظر مجيئه، أسلموا تَسلموا، قالوا: أنت أكذبنا وابن أكذبنا، قال: يا رسول الله، هذا الذي كنت خائفًا منه) . قال ابن إسحاق: (ولما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه قالت أحبار يهود أهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا ولو كانوا من أخيارنا ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت