سمعك، واسمع غير مسمع، كقولك: اسمع غير صاغر، فظن المسلمون أن هَذَا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم وقال أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنبي مثل ذَلِكَ، فنهوا عَنْ ذَلِكَ، فأنزل الله جَلَّ وَعَزَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} البقرة 104).
إلا أن السلوك السوي بعيد عن أخلاق اليهود، يحول بينهم وبينه ما حاق بهم من لعنة إلهية لصيقة بهم في كل مصر وعصر، ولذلك استدرك الوحي بقوله تعالى:
{وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} طردهم الله من الهداية والرحمة بسبب إصرارهم على الكفر، ثم نفى عن أكثرهم حقيقة الإيمان فقال: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} ، وصدق الله تعالى، فلم يدخل في الاسلام في زمن البعثة وعلى مر القرون الا قليل من اليهود، منهم عبد الله بن سَلاَم وكعب الأحبار، أما أغلبهم فقد ظلّوا حربًا على الاسلام والمسلمين منذ كانوا في المدينة إلى عصرنا هذا، على رغم أن الأمة الإسلامية هي التي احتضنتهم وآوتهم في كل فترة نزل فيها حيف بهم أو اضطهاد. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية نفت عن مسيئي الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة الإيمان وطردتم من رحاب الرحمة، وأن معنى {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} أي: لن يؤمنوا مطلقا، لأن العرب يُكنّون بالقليل عن المعدوم، ويضعون لفظ"قليلا"في معنى النفي كقولهم: فلان قليلا ما يستحيي أو قليل الحياء، أي لا حياء له، ومنه قولهم: قَلَّ رجل يقولُ ذلك، أي لا رجل يقول ذلك، وقوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} النمل 62 أي: لا تذكرون ولا تتعظون.
وبعد أن أنهى الوحي الكريم خطابه للذين أخذوا بعضا من الكتاب وأضاعوا بعضه، وهم الأكثرية في اليهود، اتجه إلى الذين ما زالوا يحتفظون بالكتاب كله علما ومدارسة، لما عرفوه فيه من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يعلمونه من شرائط الإيمان وعواقب الشرك والكفران وما بلغهم عما أُخِذَ به العصاة من سلفهم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يخاطب الحق سبحانه علماء بني إسرائيل بما يعرفونه من كتابهم التوراة، ليدعوهم إلى الإيمان بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قرآنا يصدق ما بين أيديهم من أصول الدين التي جاء بها ركب الأنبياء عليهم السلام، وتلك حجة بالغة على أن القرآن والتوراة من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي، وأن اختلاف الكتابين لم يكن إلا في التشريعات العملية التي تتغير تبعا لحكمة الله في تغير الأقضية وحاجات الناس وبيان العبادات والأحكام المناسبة، وإلا فإن أصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره موجود في صحف إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد