فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 326

ثانيا - {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} يقولون في كل أمرٍ مخالفٍ لمصالحهم وأهوائهم بلسان المقال سمعنا، وبلسان الحال يقولون عصينا، عنادا منهم وتجاهلا، كما في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} محمد 16.

ثالثا - {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} وعندما يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وسلم تبلغ بهم الوقاحة والصفاقة مداها فيجعلون طلبهم سماعه لهم مقرونا بالدعاء عليه بالصمم، يقولون له عند مراجعته في أمر الإسلام: اسمع منّا، ويُعْقِبون ذلك بقولهم: {غَيْرَ مُسْمَعٍ} يوهمون أنّهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم: غير مُسمع، أي غير مأمور بأن تسمع، على عادة العرب في قولهم:"افعَلْ غيرَ مَأمُور"، وهم يقصدون قول:"لا أسمعك الله"، أو"لا استجاب الله دعاءك".

رابعا - {وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} أي: يستطيبون السخرية بالرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في رسالته، فيشتمونه عند مخاطبتهم إياه بلفظ"راعنا"الذي ظاهره طلب المُراعاة، أي: أَرْعِنَا سمعَك، ولكنهم يلوون به ألسنتهم فيتحول إلى كلمة بالعبرانية معناها الرعونة، وعندما يخرجون من عنده ينقلبون تضاحكا لأنهم شتموه بحضرته وهو لا يشعر، ويقولون لإخوانهم ومن يثق بهم من حديثي العهد بالإيمان:"لو كان محمّد رسولًا لعلم ما أردنا بقولنا"، ولذلك فضحهم الله بهذه الآية ونظائرها. وأسلوب الاستهزاء هذا ما زال العمل به جاريا لدى أعداء الإسلام في مخاطبتهم الفقهاء والدعاة بألفاظ ظاهرها الاحترام وباطنها الاستخفاف والسخرية كأن يصفونههم بالشيوخ بنطق حرف الشين مكسورا، يقصدون شيوخ الطرب كما في المغرب مثلا.

ثم بعد ذلك قرر الوحي الكريم الأدب اللائق بالأسوياء من الرجال ومن لهم نصيب من الكتاب، وما يؤدي إليه من هداية إلى الحق وجزاء أوفى عند الله، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} أي لو أنهم تمسكوا بالرفق والأناة والحكمة وقالوا:

{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} بدل: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ، وقالوا: {اسْمَعْ} بدل: {اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} وقالوا: {انْظُرْنَا} بدل: {رَاعِنَا} لكانت أقوالهم أصوب وأعدل وأقرب إلى الخير وأنسب لمن لهم دراية ببعض الكتب المنزلة. والآية في نفس الوقت تعليم للمسلمين أدب الحوار استماعا وإجابة واستفهاما، وتجنبا للسخرية واللمز والهمز، مما أرشد إليه القرآن الكريم في سياقات كثيرة من سوره، وأورده السدي في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} الآية، قَالَ: (كَانَ رجلان من اليهود، يقال لأحدهما: مالك بن الضيف والآخر: رفاعة بْن زيد، إذا لقيا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالا له وهما يكلمانه: راعنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت