فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 326

لقد نزلت هذه الآيات الكريمة كما ذكر ابن عباس في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأسَ المنافقين عبد الله بن أبي ورَهْطَه فيثبطانهم عن الإسلام، وهو أسلوب للوسوسة والشيطنة والتمويه والتشكيك يتبعه اليهود كلما جبهتهم دعوة الحق، سواء عند مبعث عيسى عليه السلام أو مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زالت الفئات الضالة المعادية للإسلام تمارسه حاليا في كل أقطار المسلمين، كلما وجدوا جماعة متشبثة بالعقيدة السوية المتجلية في سلوك سوي، سلطوا عليها سهام التشكيك والتشويه وحرب الدعاية، فإن لم يفلحوا حرضوا عليها الظالمين فطاردوها في الآفاق.

لم تصرح هذه الآيات بصنف أهل الكتاب الذين تعُدّهم أعداء شديدي المكر بالمؤمنين، وإن كان السياق يشير إلى اليهود، ولكن ما يأتي بعدها لا يكتفي بذلك بل يمضي مصرحا بهم ومسترسلا في وصف أحوالهم وتصرفاتهم، التي صارت مدرسة في الكيد والمكر تتوارثها أجيالهم على مر الحقب، وفي ذلك يقول الحق سبحانه:

{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} وحرف"مِنْ"لبيان جنس الأعداء في قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} الذين هادوا وهم اليهود، قيل لهم ذلك لقولهم بعدما عبدوا العجل: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} الأعراف 156، أي تبنا ورجعنا، ثم ذكر أربع صفات لهم في تعاملهم مع الوحي ومعاملتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهي:

أولا: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} وتحريف الكلم الذي كان اليهود يقومون به في التوراةِ والقرآنِ وخطابِ الرسول صلى الله عليه وسلم هو الميلُ به عن معناه إلى معنى آخر باطل للتضليل، وقد جرت عادتهم في تحريف كلام الله تعالى وأحكام دينه على أربعة أساليب، أن يؤولوا معناه عند شرحه للعامة، وأن يحذفوا منه ما لا يناسب أهواءهم ومصالحهم، وأن يغيروا بعض ألفاظه بقريب منها غيرِ مطابق مثل تحريفهم الرجم بوضعهم الحد مكانه، وأن يغيروا مواقع ألفاظه بما يغير المعنى المقصود، ولذلك قال تعالى في آية أخرى: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} المائدة 41. وهي أساليب ما زال أعداء العقيدة الإسلامية لحد الآن يستعملونها في تناولهم لنصوص الكتاب والسنة، وفي تحليلاتهم لإنتاج الفقهاء الصادقين، فكريا كان أو فقهيا أو أدبيا، من أجل التمويه والتشكيك والتشويه وصرف قلوب الأغرار عنه، وغير بعيد عن الذاكرة صدور طبعات مبتورة من القرآن الكريم، وتفاسير علمانية له، وحملات قذف وقدح وتهميش وإقصاء على كل من ظهر له سهم في الصحوات الإسلامية المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت