وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا الأعراف 146، وقوله عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يوسف 108، وقد يَرِد لفظ"السبيل"مطلقا فيدل على سبيل الحق، كقوله تعالى: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} الرعد 33، وقوله عز وجل: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} عبس 20.
وقوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} معناه أن اليهود بعد أن خرجوا عن الإيمان إلى الكفر يسعون بتحريف كلام الله إلى إضلال المسلمين ليستووا معهم في الكفر، ولا يختصوا بالحق فتقوى شوكتهم به، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} النساء 89، وقد بين تعالى في موضع آخر أن هذا المكر من اليهود كان حسدا وغيظا بعدما عرفوا نصاعة الحق الذي نزل على المسلمين، وهو قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} البقرة 109، كما بين في آية أخرى أن سعيهم هذا لن يفلح إلا في إضلال أنفسهم، قال عزوجل: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} النساء 69، وليس من عاقبة لفعلهم هذا إلا أن يضيفوا إلى وزر ضلالهم أوزارَ محاولاتهم إضلال غيرهم، قال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} النحل 25.
وتأكيدا لخطورة هذا المكر من اليهود وقد كان بعض الأوس والخزرج يثقون بهم ويستنصرونهم عقب تعالى بقوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} وهي آية خبرية تضمنت تحذيرا منهم وتنبيها إلى خطرهم، وتوبيخا على الاستنامة إليهم، وأنه عز وجل أعلم من المسلمين بأعداء الدين، وبما يسرون وما يعلنون، وما يبيتون ويمكرون.
ولما كان اليهود في عصر النبوة من بني قينقاع وقريظة والنضِير وخيبر، مبثوثين في المدينة وما حولها، ولهم من العدد والعدة والعلاقات التجارية والمصاهرات مع أحياء العرب وقبائلها، ما يجعل كلمتهم مسموعة وخطرهم لا شك فيه، وكانت عداوتهم للمسلمين وسوء نواياهم مما قد يثير الرعب والتوجس في بعض القلوب حديثة العهد بالإسلام، عقب تعالى تطمينا لنفوسهم وتثبيتا لقلوبهم بقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا} أي: اكتفوا باللَّه وليًّا لكم، تعتمدون عليه وتفوضون أموركم إليه، ومن كان الحق سبحانه وليه لم ينله مكروه {وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} ينصركم على كل عدو ظاهر وخفي، فثقوا بولايته ونصره، ولا تتولوا أو تستنصروا غيره، واعبدوه وتوكلوا عليه، ولا تُبالوا بما يتوعدونكم من شر أو يعدونكم من خير.