فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 326

وتأويلا، إلا نصيب قليل أهملوا العمل بأكثره، قال تعالى عن اليهود: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} المائدة 13، وقال عن النصارى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه} المائدة 14.

ثم أخذ الوحي الكريم من خلال مخاطبته النبي صلى الله عليه وسلم يبين للمسلمين بعض ما ارتكبه أهل الكتاب بعد أن نسوا أحكام دينهم وحرفوها فقال عز وجل:

{يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ} ، ولفظ {يَشْتَرُونَ} من أصل: شرى يشري، من أفعال الأضداد، يفيد الشراء كما يفيد البيع، يقال: شَرَيت الشيء واشتريتُه، إِذا أخذتُه من صاحبه بثَمنه، وشريته إذا بِعْتُه، كما في قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} يوسف 20، والاشتراء كما ورد في الآية مجاز في الاختيار والإيثار، لأنّ المشتري هو آخذ البضاعة المرغوب فيها من بائعها.

أما الضلالة والضلال فبمعنى واحد هو عدم الاهتداء للصواب من الاعتقاد أو العمل، من أصل الفعل: ضَلَّ الدارَ والمسجد يَضِلّ ويَضَلّ، إذا لم يهتد لهما، وأضاع معالم طريقهما، ورجل ضِلِّيل ومُضلَّل، إذا كان صاحبَ ضَلاَل شديد يصر عليه، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} الأنعام 74، وقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء 136.

وقوله تعالى: {يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ} فيه إضمار تأويله يشترون الضلالة بالهدى أي يستبدلون الضلالة بالهدى ويؤثرونها على الإيمان كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} البقرة 16. ولاشك أن إيثارهم الضلالة على الهدى لم يكن عن جهل منهم بالحق، ولكن مصالحهم الدنيوية رئاسة وجاها ومالا حملتهم على المتاجرة بالدين، والتمويه على العامة بتزييف نصوص التوراة وتبديلها تبعا لأهواء الأتباع وشهواتهم، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} البقرة 79. كما أن حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وحقدهم عليه جعلهم يصرون على هذا الباطل ويسعون لبثه بين المسلمين، من أجل إضعاف شوكتهم وصدهم عن العقيدة وردهم عن الدين، ولذلك عقب الحق سبحانه بقوله:

{وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} ولفظ السبيل من أصل واحد هو السين والباء واللام، ويدل على امتداد شيء أو إرساله من عُلو إلى سُفل، ومنه يقال: سبلتُ السِّتْرَ، وأسبلَتِ السَّحابةُ ماءَها، والسبيل الطريق الذي فيه امتداد، يذكر ويؤنث كما في قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت