ثم جاءت المرحلة الفاصلة إذ تألق نور الإيمان وتغلبت إرادة أهله على رواسب أهوائهم وعاداتهم وقال عمر رضي الله عنه:"اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا"، فنزلت الآيتان 90/ 91 من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} ، فقال عمر رضي الله عنه:"انتهينا انتهينا".
بذلك تمت معجزة المنهج الإسلامي فيما عجزت عنه مناهج البشر قديما وحديثا، وانتهى المسلمون كافة بدون إرهاب أو تسلط، عن شرب الخمر ومعاقرتها، فكسروا دِنانَها وأراقوا زِقاقَها واجتنبوا مجالسها وامتنعوا عن تجارتها وحملها، حتى إن مَنْ سمع الآية وكان في فمه جرعة خمر مَجَّها ولم يَبلَعْها، طاعة منه لله تعالى، وثقة بمنهجه الحكيم، ومحبة لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولِما أضافته السنة النبوية إلى القرآن من أحكام بقوله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمرَ وعاصرَها ومعتصرَها وشاربَها وحاملَها والمحمولةَ إليه وبائعَها ومبتاعَها وساقيَها ومسقيَها) ، وقوله فيما ذكره الواحدي من أسباب النزول عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل حرم عليكم عبادةَ الأوثان وشربَ الخمر والطعنَ في الأنساب، ألا إن الخمر لُعِنَ شاربُها، وعاصرُها، وساقيها، وبائعُها، وآكلُ ثمنها) ، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله، إني كنت رجلا كانت هذه تجارتي، فاعتقبت من بيع الخمر مالا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أنفقتَه في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدلْ عند الله جناحَ بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب) ، فأنزل الله تعالى تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: {قُل لَّا يَستَوِى الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَو أَعجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ} المائدة 100، والخبيث هو الحرام.
وبعد تحريم الصلاة في حالة السكر أضاف تحريمَ قُربانها بدون طهارة فقال عز وجل: {ولَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} .
والجنب هو من أصابته الجنابة سواء بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، من قولك جنبتك عن الشيء أي: أبعدتك عنه، يقال جنب وأجنب واجتنب وتجنب، وقيل للذي يجب عليه الغسل جنب، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والطواف وقراءة القرآن حتى يتطهر، ومن ذلك لفظ الجنابة لأنها تبعد عن هذه العبادات.
ولفظ عابر السبيل مشتقّ من العبر وهو القطع والاجتياز، يقال: عبر الطريق إذا قطعها واجتازها، ويطلق على المار في الطريق أو على المسافر حين سيره.