واستقر الإيمان في النفوس استشعر الصحابة رضي الله عنهم في الشرب الحرج والتعارض مع القيام بالواجبات الدينية عبادةً لله ومعاملةً حسنة لعباده، وسرى بينهم التساؤل عن سلامة تناولها. إلا أن الوحي الكريم سار لفطمهم عنها على نحو متدرجٍ غيرِ عجول، لما يعلمه عز وجل من إدمانهم لها وتمكنها في نفوسهم وعاداتهم، فكانت أول آية نزلت في ذلك بينت أن من المأكولات والمشروبات رزقا حسنا، وأن منها ما هو مسكر ومغيب للعقول وليس من الحسن في شيء، و هي قوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} النحل 67،في إشارة واضحة للعقلاء إلى أن كل مصلحة قابلة بفعل الإنسان للتحول إلى مفسدة، وأن الرزق الحسن قد يجعله سوء التصرف ضررا في الدنيا والآخرة، وأن الفاكهة الطيبة قد يستخرج منها شراب خبيث يحول بين المرء وبين عبادة ربه.
فهم المسلمون هذه الإشارة اللطيفة إلى عدم صواب ما ألفوه من عادات سيئة بمعاقرة الخمر وممارسة الميسر فأخذوا يسألون رسولهم صلى الله عليه وسلم عن حكم الشرع فيها، فنزلت في ذلك أهم قاعدة فقهية لمعرفة الصواب من الخطأ وتمييز الحلال من الحرام، والمباح من المحظور بناء على رجحان الإثم أو رجحان الخير فيما يعرض للإنسان، بقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) البقرة 219،
ولئن لامست هذه الآية قلوب المسلمين وعلموا أنّ المراد من الإثم الحرج والمضرّة والمفسدة، فإنها لم تشف غليل شوقهم إلى كلمة فصل فيما يلمسون ضرره ويرون تعارضه مع ما فجره الإسلام في قلوبهم من ينابيع الصدق والإيمان، وقال فريق منهم:"نحن نشربها لمنافعها لا لإثمها"
وفي خضم الإقبال على الإسلام والارتفاع إلى ذرى عباداته وأخلاقه أقبل بعض المسلمين على صلاتهم وقد غشيهم من السكر ما غشيهم وخلطوا في قراءتهم فانتقل التشريع بهم خطوة أخرى تمهد للتحريم، تبعا لما شعروا به من استنكاف ما عملوا وأنزل الله تعالى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} .
إلا أن هذه الآية لم تحرم الخمر وإن أشارت إلى خبثه وعدم جواز الصلاة أو دخول المسجد في حالة سكر، وقلصت أوقات الشرب لدى المبتلين به فصاروا يشربون الخمر في أوقات بعيدة عن وقت الصلاة، وقد روي أنهم كانوا بعد أن نزلت الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العِشاءَ شرِبوها فلا يُصْبحون إلا وقد ذهب عنهم السكرُ وعلموا ما يقولون، وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادي:"ألا يَقْرَبَنَّ الصلاة سكران".