والنهى الوارد في هذه الآية الكريمة ليس عن الصلاة ولا عن ارتياد المساجد، لأن الصلاة ركن الدين وعماده فلا ينهى عنها، والمسجد مكان أدائها، وإنما هو نهي عن السكر الذي يعجز المرء عن أداء الصلاة على وجهها الصحيح المقبول، صوابَ قراءة واتزانَ قيامٍ وتمام ركوع وسجود، واستغراقَ توجهٍ وتفكرٍ وخشوعٍ بين يدي الحق سبحانه، أو يخل بالاحترام اللازم للمساجد وتوقيرها وتنزيهها عن كل تصرف سيء بالقول والعمل؛ ولئن كان تمام ذلك كله بالعقل السليم فإن الخمر مما يفسد العقل ويستولي عليه ويفقده حرية التصرف التي هي أساس المسؤولية، مما يجعل صلاة شارب الخمر لغوا لا أجر لها ودخوله المسجد وزرا وجراءة وأذى للمصلين، وقد أجمع العلماء على أن المصلي ليس له من صلاته إلا ما وعى، لما رواه ابن ماجة في صحيحه أن أبي بن كعب قال:"قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة"تبارك"وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني، فقال:"متى أنزلت هذه السورة إني لم أسمعها إلا الآن؟"فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال:"سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟"فقال أبيّ:"ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت"فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وأخبره بالذي قال أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدق أبيّ) ."
والآية الكريمة بذلك أمر بالمحافظة على العقل واستحضاره للصلاة ولكل عبادة، إذ به تعقد النوايا وبه تصفو النفوس من شوائب الكدر ومعيقات الإخلاص، وبه يتحكم المرء في مشاعره وهواجس نفسه وهو بين يدي ربه.
وليس الخمر وحده المانع من الأداء الواعي للصلاة، بل كل المؤثرات العقلية الأخرى التي تفعل فعل الخمر ينطبق عليها حكمه، لأن الغاية ألا يقرب المرء الصلاة وهو لا يعي ما يقول أو ما يفعل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) وقال: (إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن العسل خمرا) ، والقياس على ذلك يحرم تناول كل ما يفقد العقل أو يخلخله، من المهلوسات الطبيعية أو الصناعية التي تعطل القوى المدركة المميزة في المرء، فإن تناولها المرء باختياره ورضاه صلى في حالة صحوه ولم يعف من الإثم ولا من مسؤولية تصرفاته الضارة بغيره. أما ما سوى ذلك من العوارض العقلية الاضطرارية كالبنج لضرورة طبية وكالصرع والإغماء والجنون وغلبة النوم فلا إثم، وتؤدى الواجبات الدينية حال زوال العارض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول)
لقد كانت ظاهرة تناول الخمر والإدمان عليه ميزة في الجاهلية يتفاخر بها الكبراء والأغنياء، حتى قال فيها عمرو بن كلثوم:"ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا"، ولما جاء الإسلام