فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 326

ثم اكتشف نواتها الأصغر منها بآلاف المرات، والذرة في هذا السياق القرآني أصغر موجود مادي قد يهتدي العلماء إلى اكتشافه إن تعلقت به همتهم وأذن الله فيه، ولذلك قال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} يونس 61، وهذا من الإعجاز القرآني في التعبير العلمي عن حقائق الأشياء، والمعنى أنه سبحانه يحصي الأعمال لا يضيع منها {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} مهما دقت وصغرت، فإن كانت عملا صالحا نماه لصاحبه وضاعف ثوابه وإن كان غير ذلك جُوزِيَ من غير ظلم، والآية بذلك وعد ووعيد.

{وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} أي: إنه تعالى لديه الأجر العظيم المُعَدُّ لعباده الصالحين يوتيهم منه بغير حساب، قال أبو هريرة رضي الله عنه:"إذا قال الله تعالى أجرًا عظيمًا فمن يقدر قدره؟".

ولما تم الإرشادُ إلى منهج التكافل والتعاون والتآزر والتعايش السلمي بين الإنسان وأخيه الإنسان قريبا أو بعيدا، والتحذيرُ من الإخلال بهذا المنهج تحت طائلة الحساب العادل يوم القيامة ذكَّر تعالى بلحظة من لحظات عدله المطلق يوم الدين فقال:

{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} يشهد عليها بخيرها وشرها، وهو نبيها الذي أرسل إليها، وذلك يوم العرض والحساب بين يدي الله سبحانه، {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} هود 103، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} آل عمران 30، يومئذ يحشر الناس (حفاة عراة غُرْلا) [[1] ]في موقف رهيب {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} الكهف 48، كيف يكون حالهم حينئذ وقد جيء لكل أمة بشهيد منها يشهد على ما كانت عليه من فساد في العقائد والأعمال؟.

{وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} وجيء بمحمد صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته وعلى ما بلغه الأنبياء قبله لأقوامهم، لعلمه بشرائعهم واستجماع ما بُعِث به لأحكام عقيدتهم، كيف يكون حالهم وقد واجهوا من أعمالهم خيرها وشرها؟ {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} طه 108، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} طه 111.

(1) - قال صلى الله عليه وسلم: (يبعث الناس حفاة عراة غُرلا يلجمهم العرق ويبلغ شحمة الأذن) ، قالت سودة: قلت يا رسول الله واسَوْءتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ قال: (شُغِل الناس عن ذلك) ، وتلا: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} عبس 37

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت