فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 326

{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} هؤلاء أيضا يبغضهم الله تعالى، لأنهم جمعوا ثلاثة رذائل لا تقل دناءة عن الكبر والفخر وهي: البخل، والتحريض على البخل، وكتمان ما لديهم من فضل الله عليهم مالا وعلما، فهم لا ينفقون إلا للرياء والسمعة والفخر، فإن دعوا إلى الإنفاق في سبيل الله بغير ذلك بخلوا وأمروا بالبخل، قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والشُّحَّ، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا) ، وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، أما قوله تعالى عقب ذلك: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} فبيان للمصير السيء الذى يؤول إليه الجاحدون لنعم الله والكافرون بها.

ثم عطف على الباخلين الآمرين بالبخل صنفا آخر هم الذين جمعوا بين الإنفاق رياء وبين الكفر بالله وباليوم الآخر فقال تعالى:

{وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ} أي كذلك نفس المصير، وهو العذاب المهين، ينتظر هذا الصنف من الناس، لمطاوعتهم الشيطان وملازمتهم إياه {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} أي: ومن يصاحب الشيطان ويتخذه رفيق دربه طاعة وامتثالا فبئس ما صاحب وبئس ما يصير إليه.

إن ما يُدْعَى إليه الكفار والمنافقون كله خير، والسبيل إليه سهل لا عنت فيها ولا شدة، فأي مشقة يتوهمونها في الاستجابة لما دعوا إليه من الإيمان والإنفاق؟: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} ، والسؤال في هذا السياق توبيخ لهم وزراية عليهم لجهلهم بمكامن مصلحة الدنيا والآخرة، واستثارة لعقولهم كي تنتفض وتعرف أن ما يدعون إليه خير بيِّن ومنفعة دائمة، وما ذلك إلا لفساد نواياهم وسوء بواطنهم وأمراض قلوبهم التي يعلمها الله تعالى؛ لذلك ذكَّرهم الحق سبحانه بعلمه سرَّهم وعلانيتَهم وبإحصائه أعمالهم ما ظهر منها وما بطن وقال: {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} . ثم توعدهم بعدالته المطلقة التي لا تحابي بَرًّا ولا فاجرا، ولا يُحرم ثوابَها مؤمن، ولا يفلت من عقابها مجرم، وقال:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} والمثقال من الثقل هو ما يوزن به، ومثقال كل شيء وزنه، والذرة فسرتها القواميس العربية بالنملة الصغيرة وبالخردلة وبالهباءة التي ترى في الهواء تحت ضوء الشمس، إلا أن العلم الحديث اكتشف ذرة غير منظورة إلا بالوسائط الإلكترونية المتطورة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت