فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 326

القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة تنبيه إلى أنّ من سفالة الأخلاق ودناءة الطبع أن يستخفّ المرء بقريبه ويصرف برّه وودّه إلى الأباعد كي يكف شرّهم أو يذكر فيهم بخير.

ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين وذوي القربى واجبَ الإحسان إلى غيرهم بقوله عز وجل:

{وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} وهما صنفان مستضعفان محتاجان إلى النصرة والرعاية والعون.

{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} أي الجار القريب نسبا ورحما.

{وَالْجَارِ الْجُنُبِ} الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس منهم، فهو جُنُب، مشتقّ من الجَانب. قال صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه) ، وعن أبي شريح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يقول: (والله لاَ يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) ، فسئل: ومن يا رسول الله؟، قال: (من لا يأمن جارُه بوائقه) .

{وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} وهو المصاحب الملازم في دار المقام زوجة وزوجا، وفي السفر رفقة وعشرة. قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ الأصْحَابِ عِندَ اللهِ خَيْرُهُم لِصَاحِبِهِ، وخَيْرُ الجِيرانِ عند اللهِ خيرهم لِجَارِهِ) .

{وَابْنِ السَّبِيلِ} هو الغريب المجتاز بالديار غيرَ نَاو إقامة فيها، أما من أقام فهو الجار الجُنب، والسبيل هو الطريق، وابن السبيل أو ابن الطريق هو الذي لازم الطريق مسافرا كأن الطريق رمى به، وقد أوصى الله به خيرا لغربته وضعف حيلته وقلة ناصره بين قوم لا يهتدي إلى أحوالهم ولا إلى طرق كسبهم ومعاشهم.

{وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وملك اليمين هم أسرى الحرب الشرعية غير العدوانية، وهي الجهاد في سبيل الله.

إن الإحسان إلى كل هؤلاء وإلى غيرهم ليس بترك أذاهم فقط، ولا بالمعاملة الطيبة والقول الحسن فقط، ولكنه بالبذل الكريم في سبيل الله مالا وعلما، من كان له مال أنفق منه، ومن كان له علم بلَّغه، قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} آل عمران 92. وهذا يقتضي تجنب الرياء والتسميع المنافيين للإخلاص، لذلك عقب عز وجل بقوله:

{إِِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} و الاختيال مشتق من الخُيَلاء وهو التعالي والتكبر والإعجاب بالنفس، والفخر هو التسميع بالأعمال وإذاعتها والافتخار بها، وكلا الصفتين تنافيان الإحسان، وتؤديان إلى القسوة والجفاء. أما نفي محبّة الله تعالى لمن هذه صفته فهو نفي رضاه تعالى عنه أو تقريبِه إياه، ثم بَيَّن تعالى صفاتٍ أخرى ملازمةً لهذا الصنف من الناس بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت