فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 326

إنه موقف رهيب تقشعر له الأجساد، وترتجف له الفرائص وتَجِبُ [[1] ]له الأفئدة وتدمع الأعين، وفي الصحيحين أن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ) ، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ا، قال: (نعم إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} فقال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان، وفي رواية: فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: (يا رب، هذا شهدتُ على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره؟) ، فإذا كان هذا الشاهد وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وخاتم الأنبياء يبكي لهول الموقف ورهبته فما بال المشهود عليهم وهم الخطاؤون؟

ثم ساق عز وجل جواب هذا التساؤل القرآني {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} فقال:

{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ} في ذلك اليوم يندم الأقوام الذين كفروا وعصوا رسلهم ويتمنون {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} لو كانوا ترابا تسوى به الأرض فلم يخلقوا ولم يبعثوا ولم يحاسبوا وهو ما بينته الآية 40 من سورة النبأ بقوله تعالى: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} . فإذا شهدت عليهم الرسل بالكفر وحاولوا الإنكار وقالوا: {واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} الأنعَام 23، شهدت جوارحهم وجلودهم عليهم فيفتضحون {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} واحدا مهما دق وصغر، قال الحق سبحانه: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فصلت 20/ 21، وقال: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يس 65.

بذكر هذا اليوم الرهيب والمحاسبة المرعبة والجزاء الوفاق العادل تختم وتتكامل منظومة السلوك والمعاملة والأخلاق في المنهج الإسلامي، وتتميز عن غيرها من المنظومات الوضعية القائمة على المعالجات الآنية المحدودة وصراع المصالح العابرة المتغيرة للأفراد والأقوام. إنه المنهج الذي اختاره الحق سبحانه لعباده مبتدئا بالتوحيد، ومنتهيا بالخلود في الجنة، نقطة ارتكازه البذل، ولبناته العطاء، حسن المعاملة فيه ليست كف الأذى فقط، ولكنها الصبر على الأذى وبذل المعروف مالا وعلما وعونا، من

(1) - وَجَبَ القَلْبُ وَجِيبًا: خَفَقَ واضطَربَ كما في حديث عليٍّ:"سَمِعْتُ لها وَجْبَةَ قَلْبِهِ"أَي: خَفَقَانَهُ، وحديث أَبي عُبَيْدَةَ ومُعَاذٍ"إِنَّا نُحَذِّرُكَ يَوْمًا تَجِبُ فيه القُلُوبُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت