فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 326

وشرك الألوهية، هو التوجه بالعبادة صلاة وصياما وحجا ونسكا ورجاء وتوكلا وخوفا ورهبة ورغبة ومحبة لغير الله معه أو من دونه، أو اتخاذ الوسطاء بين العبد وربه كما لدى القبوريين والباطنيين واليهود والنصارى، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام 162.

وشرك الأسماء والصفات، كأن تسمي الله تعالى أو تصفه بما لم يرد في الكتاب والسنة، أو تعتقد أن مخلوقا يتصف بصفة كمال كاتصاف الله بها، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون} الأعراف 180، وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى 11.

فإذا تحققت العبودية في قلب المرء وقام بحق الله في الظاهر والباطن، تجلى ذلك في علاقته العامة مع غيره أقارب وأباعد، اعترافا بفضل الفضلاء واستجابة لحاجات الضعفاء والفقراء وأداءً للحقوق، ونبذا للقسوة والجفاء والعقوق، لذلك عقب عز وجل بقوله مبتدئا بأقرب الخلق إلى المرء نسبا، وأوثقهم به وجودا وسببا:

{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، والإحسان في هذه الآية هو قيام الأبناء بحقوق الوالدَيْن على أحسن وجه وأرضاه لا يبتغون بذلك إلا وجه الله، والراجح أن يُعدّى لفظ الإحسان بالباء إذا أريد به التوقير والإكرام والإحسان المادي والمعنوي معا كما في حالة البر بالوالدين وكما في قوله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} يوسف 100، وأن يُعَدَّى بحرف"إلى"إذا أريد به إيصال النفع المادي فقط، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (صل من قطعك و أحسن إلى من أساء إليك و قل الحق و لو على نفسك) .

إن أعظم الحقوق وأعلاها هو حق الله تعالى، بدون أدائه على الوجه الصحيح لا يقبل للمرء عمل، ثم بعده حق الوالدين، ونظرا لعظم هذا الحق وخطورته وردت التوصية به في عدد من سور القرآن الكريم عقب الأمر بالتوحيد والإخلاص ومقرونا به، وكفى بذلك دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما، قال تعالى:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} البقرة 83.

{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الأنعام 151.

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإسراء 23/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت