قال: (حقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (حقهم عليه ألا يعذبهم) ، ولئن كانت العبادة اعتقادا وعملا، فإنها في جوهرها توحيد مطلق لله عز وجل، توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات، وعمل بما ورد في الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي، وقوام ذلك معرفة الله تعالى بما عرف به نفسه في الكتاب والسنة، ومحبته الخالصة وطاعته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} آل عمران 31، فإن قامت العبادة على أسسها الصحيحة معرفة ومحبة وطاعة واتباعا أثمرت في الدنيا والآخرة سلامة ونجاة وسعادة، قال صلى الله عليه وسلم: (اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} الزمر 11. وهي بذلك تستغرق تصرفات المرء كلها، واجبات ينبغي القيام بها، ومحرمات يتحتم اجتنابها، ومشتبهات تُتَّقَى، ومباحات إن شاء أتى وإن شاء ترك؛ والقوم في ذلك صنفان:
صنف هم الأخسرون، يقومون بالواجبات ويجتنبون المنهيات رياء ومكاء وتصدية، أو يعصون ويتمردون وينكرون.
وصنف هم الفائزون، أعلى رتبة وأقوم قيلا، هم المخلصون حقا، الذين اتخذوا من كل خطرات قلوبهم وأعمال ليلهم ونهارهم عبادة خالصة لله، أولئك هم المهتدون بالكتاب والسنة، الملتزمون بأخلاق النبوة الخاتمة، القادرون على انتشال أنفسهم من الغبن والضلال، وإنقاذ أمتهم من التخلف، هؤلاء هم الربانيون، منامهم ويقظتهم عبادة، وقيامهم وقعودهم عبادة، ووقوفهم وممشاهم عبادة، وصمتهم ونطقهم عبادة، استراحتهم من التعب قربى، ونومهم بالليل تهجد، وتمتعهم بالمباحات شكر، كل ما لديهم وما يعملون، من الله ولله وفي سبيل الله.
لذلك ورد الأمر بالعبادة في هذه الآية الكريمة مقيدا بخلوها من الشرك بقوله تعالى: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ، والشرك أصغر وأكبر، الأصغر هو الممهد للأكبر والمعبد طريقه، ومنه الرياء والنفاق غير الاعتقادي والحلف بغير الله والغلو في المخلوق بما لا يبلغ رتبة العبادة. أما الشرك الأكبر وهو الوجه الثاني للكفر فشرك بالربوبية وشرك بالألوهية وشرك بالأسماء والصفات:
شرك الربوبية، هو الاعتقاد بأن مع الله تعالى إلها آخر يخلق ويسير ويدبر، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُون} يونس 3، وقال: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} الأعراف 185.