فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 326

أتتهم الشياطين فاجْتالَتْهم [[1] ]عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا).

إن الفراغ الذي تركه إغفال دور الفطرة في مجال التأسيس السوي للاجتماع الإنساني لا يعني إلا التمرد على المنهج الإسلامي الذي خلق عليه الإنسان وبشر به الرسل عليهم السلام عبر الحقب، لذلك كان السبيل الأوحد لتلافي عواقب هذا التمرد ونتائجه هو الأوبة الحسنة إلى ما اختاره الخالق سبحانه للمخلوق عن علم وحكمة، وذكَّر به موجزا ومفصلا في كثير من سور القرآن الكريم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك 14.

ولئن ورد فيما سبق من سورة النساء ملامح من هذا المنهج متعلقة بنظام الأسرة معاملات زوجية وصهرا ونسبا وذرية وميراثا فإنه تعالى قد عقب على ذلك بصياغة جامعة له في مجال أوسع وأشمل يرتقي به إلى مصاف المجتمع الإنساني العام الرشيد فقال عز وجل مبتدئا بقاعدته الصلبة ونقطة الارتكاز فيه:

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ} والعين والباء والدال أصل يدل على لِين وذُلّ، ومنه العبودية وهي إظهار التذلل والطاعة، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى، وهي عبادة بالتسخير تعم الكون كله كما في قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} مريم 93، وعبادة بالاختيار خاصة بالمكلفين من الجن والإنس، والعبد بمعنى العابد ما بين عبد للدنيا وأعراضها، معتكف على خدمتها وهو من عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) ، وبين عبد لله مخلص صادق الإيمان، كما في قوله تعالى عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} البقرة 23، وقوله عن المسيح عيسى عليه السلام: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} النساء 172، وقوله عن العبد الصالح في قصة موسى عليه السلام: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} الكهف 65.

إن العبادة في حقيقتها الشرعية حق الله عز وجل على عباده، لما رواه معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟) قلت: الله ورسوله أعلم،

(1) - جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، وقوله: اجتالتهم أي: استخفتهم الشياطين فجالو معها في الضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت