ويبقى الضرب غير المبرح الوارد في الآية الكريمة مباحا لا واجبا ولا مندوبا، كآخر محاولة للإصلاح وصيانة الحياة الزوجية وحمايتها، بعد الوعظ والإرشاد والهجر في البيت، في حالة تحوم فيها المرأة حول الفاحشة من غير أن تقع فيها إذا كان الزوج متعلقا بها، أو حريصا على مصلحة أبنائه منها، وإلا فله طلاقها إذا أيقن أنها لن تنصلح،)، لقوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} الطلاق 1؛ ولأن من تحوم حول الفاحشة توشك أن تقع فيها كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهاب استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ، ولها كذلك أن تخالعه من غير أن تنغص حياتها وحياته إن كان عصيانها كراهية له أو رغبة في غيره. أما إن كان نزوة عابرة تعقبها توبة وإصلاح وطاعة وحسن عشرة فليس للزوج أن يطلقها لما قاله تعالى تتمة للآية: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} ، أي: فإذا أطاعت المرأة ربها وأحسنت معاملة زوجها فلا سبيل له عليها هجرا أو ضربا أو طلاقا. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} فاحذروا قدرته تعالى عليكم وعلو شأنه وكمال ذاته، إن أنتم بغيتم على أزواجكم أو ظلمتموهن أو انتقصتم حقوقهن.
هذه أحكام النشوز إن كان مصدره الزوجة، فإن احتدم النزاع بين الزوجين مخاصمة ومغاضبة وعصيانا ونفورا وانقطاعا لحبال المودة من غير أن يعرف الظالم من المظلوم احْتِيجَ إلى من يساعد على الإصلاح ونبذ الشطط والعصيان بتمييز الصواب من الخطأ في تصرفاتهما، ومصدر الخلل في معاملتهما لبعضهما، ولذلك عقب الحق سبحانه بقوله:
{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} والشقاق والمشاقة غلبة العداوة والخلاف، اشتقاقه من شق العود شقا، والشَّق هو الصدع، وتشققت عصاهم وانشقت إذا تفرقت كلمتهم واختلفوا، ومنه المشقة بمعنى الشدة والحرج، واشتق الخصمان وتشاقا إذا اشتدت بينهما العداوة وأخذا في الخصومة يمينا وشمالا، والشقاق بين الزوجين أن يبتعد كل واحد منهما عن الآخر ويفعل ما يشق على صاحبه، وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} خطاب لأهل الزوجين المتلاحيين أولا ثم للصالحين من معارفهما وأولياء الحسبة والقضاء في المجتمع يأمرهم إن علموا باحتدام الخصام بين الزوجين وخافوا استمراره أو تطوره إلى ما لا تحمد عقباه أن يسارعوا بالتدخل لكف الضرر وإصلاح الحال بقوله تعالى: