{فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} وأصل الحُكم لغة القضاء والفصل في الخصومات، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} النساء 105، والحَكَم بفتح حرفي الحاء والكاف هو من يتولى الحُكم للطرفين وعليهما حسب ما يستصوبه من تصرفاتهما بغية الإبقاء على رباط الزوجية ما استطاع، ولذلك يشترط فيه العلم والعدالة والحلم والأناة والرفق والحكمة، يختار أهل الزوجة واحدا وأهل الزوج واحدا، ثم يجتمعان على هدى ورغبة في الإصلاح ويعالجان الخلاف بين الزوجين للتوفيق بينهما ورأب الصدع في علاقتهما ببعضهما، وإرشادهما إلى مواطن الخلل في تصرفاتهما: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} فإن انتصحا وآبا إلى الرشد وكانا يرغبان في استمرار العشرة الزوجية أصلح الحكمان بينهما بالمعروف ووفقا بينهما فيما اختلفا فيه على أساس من قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، ويختم الحق سبحانه هذه التوجيهات الرشيدة بتنبيه شديد للحكمين وللزوجين معا بقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} عليم خبير بنواياهم ومقاصدهم وأعمالهم، ظواهرها وبواطنها، ولذلك عليهم أن يلزموا العدل والإنصاف، وأن يجنحوا للصلح والإصلاح، وأن يتقوا الله في الأسرة المسلمة أزواجا وذرية. هذا مجمل دور الحكمين في مثل هذه الحالة، وفي الفقه الإسلامي تفصيل اجتهادي واسع مع اختلاف بين الفقهاء والمذاهب لا يضر، لأنه منهم مجرد استقصاء لمظان المصلحة والإصلاح في حدود منطوق الآية الكريمة.
وبعد، فإن لكل شاء آفة تفسده، وأعظم آفة تصيب الأسرة المسلمة وتنخر كيانها وتهدم بنيانها هي الاختلاف والشحناء والشقاق، وإن سلامة الأسرة المسلمة وتماسكها من أخطر المهام التي تكفل الوحي بالحث عليها وضبط تشريعاتها وقواعدها، ووضع الحلول الناجعة لمشاكلها وقضاياها، وإن من طبيعة المنهج الإسلامي ألا يترك قضايا الأمة للأهواء والأمزجة والاجتهادات العشوائية التي تثير مختلف الآفات المدمرة، ولئن بينت آيات هذه الحلقة ضوابط التعامل مع مظاهر الخلل المحتمل في العلاقات الزوجية، فإن الوحي بعامة قد وضع منهجا رضيا للزوجين السويين الصالحين كفيلا بإسعادهما وتمكينهما من إمداد الأمة باللبنات الصلبة اللازمة لقيام الأمة الرائدة الشاهدة. فإن طرأ ما يعكر صفو حياتهما فبما أخل أحدهما أو كلاهما بالميثاق الغليظ الذي بينهما وبعهد الله الذي أعطياه لبعضهما، وليس لهما حينئذ إلا الأوبة الحكيمة والتوبة النصوح واحتضان الحق واتباع سبيله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء 115.