فقال:"إن تحتي امرأة لا ترد يد لامس"، فلم يقل صلى الله عليه وسلم له:"اضربها"، وإنما قال له: (طلقها) ، قال:"إني لا أصبر عنها"قال: (فأمسكها) . كل ذلك ما لم ترتكب المرأة فاحشة الزنا فإن هي فعلت كان الحل لعانا أو إقامة للحد إن أدلى الزوج بأربعة شهود.
ومن غريب ما ذهب إليه بعضهم الزعم باحتمال نسخ الآية الكريمة للأحاديث النبوية الناهية عن الضرب بدعوى أنها نزلت بعدها، ولا دليل لهم على ذلك، والنهي عن الضرب ورد في حجة الوداع عند اكتمال الدين، وقد روي عن عمرو بن الأحوص الحشمي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ: (ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) ، وذلك ما يفتح بابا آخر لقول معارض بنسخ الأحاديث الناهية عن الضرب للحكم الوارد في الآية الكريمة، عملا بمنهج الشافعي في نسخ الكتاب بالسنة أي نسخ الحكم وبقاء التلاوة [[1] ]، خلافا لجمهور الفقهاء الذين لا يجيزون نسخ القرآن الكريم بالسنة، وفي هذا قال الشافعي:"حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له، ليتبين توافق القرآن والسنة".
إن هذه الآية الكريمة وما ورد معها من السنة النبوية الشريفة قولية وعملية تعالج متضافرة لا متناسخة، ظاهرة بشرية في علاقة المرأة بالرجل، والقوي بالضعيف، كما تعالج في نفس الوقت حالات أخرى متعلقة بالطباع والأمزجة والأهواء والأمراض النفسية والعصبية التي تصيب أحيانا كلا من الزوجين، فلا يملك أحدهما إلا أن تمتد يده بالأذى نحو الآخر، وهي معضلات اجتماعية ما زالت البشرية تعانيها لحد الساعة، وقد عرفت منها حالات مرضية من ضرب الرجال نساءهم وضرب النساء رجالهن، ورغبة بعض النساء في أزواج يضربونهن، ورغبة بعض الرجال في زوجات يضربنهم؛ كما أن الضرب في نفسه تصرف خطير وتحديد المبرح وغير المبرح منه عسير، ومظنة تجاوز الحد فيه كبيرة لو أطلقت يد الأزواج فيه، ولذلك عندما أباحته الآية في حال ظهور الفساد قربا من فاحشة الزنا أو ارتكابا
(1) - قال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن:"فإن قلت ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة فالجواب من وجهين: أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة؛ والثاني أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة"