فهم بعضهم أن للرجل أن يضرب زوجته متى شاء وكيف شاء، ولا إثم عليه في ذلك حتى قال أحدهم:"وأظن أنه من مر بمراحل كهذه ولم تستقم زوجته ولم تطلب منه الطلاق وهي عالمة بما أنزل الله، ثم وصل إلى الضرب الفعلي فصفعها ولم تعد إلى جادة الطريق واستمرت في عصيانها ولم تطعه حتى انهال عليها ضربا فأغشاها فهو معذور تماما، وليس عليه من الإثم مثقال ذرة، ومن عاتبه فقد ظلمه"، كما نقل عن الزهري أنه قال:"لو أن رجلا شَجَّ امرأته أو جَرحها لم يكن عليه في ذلك قَوَدٌ، وكان عليه العَقل، إلا أن يعدُوَ عليها فيقتلها، فيقتل بها" [[1] ].
وفهم آخرون أن الضرب يكون غير مبرح بحيث لا يجرح ولا يكسر، معتمدين على ما فهموه من قول للرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) ، وما فهموه من إذنه صلى الله عليه وسلم بالضرب بعدما نهى عنه ولمس لدى بعض المسلمين إصرارا عليه وإلحاحا فيه، وتشبثا بتقاليدهم الجاهلية وعاداتهم البدوية كما في حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تضربُنَّ إماء الله، فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد ذَئِرَ [[2] ]النساء على أزواجهن فأْمُرْ بضربهن فضُرِبْن فطاف بآل محمد صلى الله عليه وسلم طائف نساء كثير فلما أصبح قال لقد طاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كل امرأة تشتكي زوجها فلا تجدون أولئك خياركم) ، وفي حديث رواه القاسم بن محمد مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم لما ألحوا في طلب الإذن بالضرب قال لهم: (اضربوهن، ولا يضربهن إلا شراركم) .
ورأى عطاء بن أبي رباح محدث مكة ورأس التابعين فيها ألا ضرب بين الزوجين فقال:"لا يضربها وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها"، وفَهْمُه هذا رضي الله عنه من معرفته العميقة بالشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد فيها، لأن الشرع لم يبح الضرب الخفيف إلا في حالة ترتكب فيها المرأة فاحشة دون فاحشة الزنا، كمن تصر على التبرج أو على دخول غير المحارم ومن لا يرضى الزوج بدخوله إلى بيت الزوجية، وهو بذلك إن لم يُجْدِ الوعظ والهجر أمرُ إباحة لا أمر وجوب أو ندب، إن كان الزوجان متعلقين ببعضهما حريصين على التمسك بميثاق الزوجية، وإلا فللقضية حلول أخرى محاولاتِ صلحٍ أو طلاقا أو خلعا، قال ابن عباس:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم"
(1) - القود: القصاص، والعقل: الدية.
(2) - ذئر: اجترأ.