قد راعى مستوى قدرتهن على تحملها ومدى ملاءمتها لطباعهن وأمزجتهن المختلفة، ومقدار فهمهن لمنهجها الإسلامي، ولذلك قسمهن قسمين، قسم سوي راض بمنهج الله عامل به، وقسم متنطع يترقب كل فرصة للنشوز والتمرد والعصيان، فقال عز وجل مبتدئا بخير النساء دينا وطباعا وأمزجة:
{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} أي: فالنساء الصالحات للقيام الأكمل بمهام الأسرة المسلمة رعايةً للزوج والأبناء، وبناءً للمجتمع الإسلامي والأمة الشاهدة {قَانِتَاتٌ} أي مطيعات عابدات، والقنوت: هو الطاعة والعبادة مع السكوت عما يتعارض معهما، وهو معنى قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة 238، وقوله عز وجل: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} الزمر 9، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم عندما سئل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: (طول القنوت) ثم فسر ذلك بقوله: (إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ... ) . ولئن كانت طاعة المرأة لزوجها واجبة في غير معصية الله، فإن طاعة الزوج لزوجته واجبة أيضا إن أمرته بمعروف أو نهته عن منكر، أو أشارت عليه برشد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأن تطاوعهما لبعضهما في ذلك طاعة لله تعالى.
والصفة الثانية للزوجة الصالحة هي قوله تعالى عقب ذلك: {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} والغيب هو ما غاب عن المرء ووجب حفظه والعمل به، وضده الشهود، وأول غيب على المرأة حفظه هو عهدها مع الله تعالى إذ أشهدها مع الرجل على وحدانيته وهما في ظهر أبيهما آدم بقوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172، والغيب الثاني هو الإيمان بما ورد عنه في الكتاب والسنة من دون زيادة أو نقص، وذلك مقتضى الإيمان الحق لما قاله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} البقرة 2، وقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالموت وبالبعث والجنة والنار والقدر كله فإذا فعلت ذلك فقد آمنت) ، والغيب الثالث هو حفظ ما اؤتمنت عليه في الأسرة من زوج وولد ومال وعرض وأسرار، في جميع حالات الوفاق والشقاق، والوئام والخلاف، كل ذلك {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} أي بسبب ما حفظه الله في الكتاب والسنة لهن من حقوق على الأزواج وما فرضه لهن عليهم من حسن الرعاية والإنفاق والمعاشرة والمعاملة، وما حفظ للأزواج كذلك من حقوق فرضها عليهن. وهذه الآية الكريمة بجانب كونها أمرا تشريعيا وردت بصيغة المدح للنساء الصالحات المطيعات الحافظات لأسرار أزواجهن ولكل