وبعد هذا يمكن أن نذكر حقيقة، أثبتها بعض الباحثين من أن"كثيرًا مما كتب في الاقتصاد الإسلامي يتبنى نظرة كلية لهذا الاقتصاد. ولكن من المسلم به، أن الاقتصاد الكلي يقوم على أساس من التحليل الجزئي" [1] .
ومن هنا كان وجه الارتباط بين سلوك المستهلك ودالة الاستهلاك، أو بين النظرية الجزئية للاستهلاك والنظرية الكلية واضحًا؛ حيث تستند النظرية الكلية للاستهلاك في بعض معطياتها على النظرية الجزئية لسلوك المستهلك.
ولذا، فإن شكل دالة الاستهلاك الكلية في المجتمع المسلم يمكن أن يتضح من خلال النقاط التالية:
1 -يتأثر المسلمون كغيرهم بمختلف العوامل المؤثرة على استهلاكهم إلا أن وجود بعض الضوابط والمعايير الإسلامية التي لا يمكن إغفالها، وهي تؤثر فعلًا في السلوك الاستهلاكي للمسلم، ومن ثم في الإنفاق الاستهلاكي الكلي للمجتمع، وجودها قد يميز المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات، ذلك أن دالة الاستهلاك الكلية للمجتمع المسلم تعكس الخصائص والسمات العامة له، مثل الزكاة والإنفاق في سبيل الله، ولزوم التوسط والاعتدال في الإنفاق الاستهلاكي، ومراعاة الثواب الأخروي إلى جانب الثواب الدنيوي.
2 -يوجد بعض التداخل بين المجتمعات الإسلامية وغيرها في الالتزام ببعض القيم والعادات الاستهلاكية، وكذلك في العوامل المؤثرة على تخصيص الدخل للاستهلاك، مما لا يستغرب معه وجود بعض أوجه التشابه والتقارب في شكل دالة الاستهلاك الكلية في المجتمعين، وذلك يرجع إلى صفة الإنسانية أو العنصر الإنساني الذي يجمع بينهما، إلا أن القيم التي جاء بها الإسلام في مجال الإنفاق الاستهلاكي تهدف إلى مصلحة الإنسان الحقيقية ومصلحة الإنسان الذي يعيش فيه، ويراعي المستهلك المسلم هذه القيم والتوجيهات الإسلامية عند استهلاكه، بينما نرى الدافع عند غير المسلم في ممارسته لبعض القيم من عدم شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير أو عدم الإسراف والتبذير، إنما الدافع هو الحفاظ على الصحة العامة، وصيانة الموارد الاقتصادية من التبديد والضياع.
3 -إن المجتمعات الإسلامية التي تخلُ - على مر العصور - من وجود ثلاث فئات من الأفراد، الظالم لنفسه، والسابق بالخيرات، والمقتصد، ولذلك فإن دالة الاستهلاك الكلية في
(1) ينظر: د. نوزات يالجينطاش - مشكلات البحث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 53،