المستهلك في تلك النظرية الوضعية لا تتناسب وواقع المجتمع المسلم - كما أسلفنا القول - هذا القصور أدى إلى رفض نظرية سلوك المستهلك الوضعية.
إن أكثر الأسباب تواترًا في مجال رفض سلوك المستهلك الوضعية [1] القول بأن المستهلك المسلم ليس أنانيًا، يقتصر اهتمامه على نفسه وعلى من يعول فقط، بل هو في مجال إنفاقه وصرفه في دخله يهتم بإخوانه المسلمين، وهذه الفكرة صحيحة لا يمكن أن يعترض عليها من اطلع على شريعة الإسلام، ولكن الانطلاق منها أو الاستناد عليها فقط في رفض نظرية سلوك المستهلك في الاقتصاد الوضعي أمر يحتاج إلى نظر ومناقشة. لأنه يستوجب القول إن تلك النظرية تفترض في المستهلك الأنانية وحب الذات وعدم الاكتراث بالآخرين، وهذا ما عبّر عنه عدد غير قليل من باحثي الاقتصاد الإسلامي بأساليب مختلفة [2] .
ويرتبط بمفهوم أنانية المستهلك مفهوم آخر يعد حجر الزاوية في نظرية الاستهلاك في الفكر الاقتصادي. وهو مفهوم المنفعة. وقد انتقد ذلك المفهوم عدد من باحثي الاقتصاد الإسلامي من زوايا مختلفة. ويمكن عرض جوانب النقد هذه في النقاط التالية:
أ - أن المنفعة تعني اللذة! وعلى سبيل المثال يرى د. شوقي دنيا"أن المنفعة تعبير إسلامي [3] .. وأنه لا يعني مجرد اللذة والمتعة بما لها من أحاسيس.، ومعنى ذلك أن المضمون الإسلامي للمنفعة يتفوق على المضمون الوضعي لها الذي اعتراه انحراف إلى ناحية المتعة واللذة [4] ."
والحقيقة أن د. أنس الزرقا كان أكثر دقة حين قال في معرض حديثه عن تعظيم المنفعة في الفكر الاقتصادي:"وتحسن الإشارة إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة أن أهداف الفرد خسيسة أو مادية، لأن مضمون المنفعة يترك الاقتصاديون تحديده للفرد ذاته، لكنهم يفترضون أنه يحاول الوصول بمنفعته إلى أبعد مدى، وبأسلوب عقلاني" [5] .
(1) د. عبدالحميد عبداللطيف محبوب -"نحو نظرية في سلوك المستهلك والرفاهية الاقتصادية"، مرجع سابق، ص 5 - 9.
(2) ينظر: د. محمد عبدالمنعم عفر - الاقتصاد التحليلي الإسلامي، مرجع سابق، ص 232، و د. بوعلام جيلالي و د. فريد طاهر -"نحو نظرية لسلوك المستهلك المسلم"، مرجع سابق، ص 46 - 48.
(3) (*) تجدر الإشارة إلى أن المضمون العام للمنفعة في الإسلام يشمل المصلحة والفائدة ومنع الضرر، وليس مجرد اللذة والمتعة.
(4) د. شوقي دنيا - النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي، مرجع سابق، ص 84.
(5) د. أنس الزرقا -"صياغة إسلامية لجوانب من دالة المصلحة الاجتماعية"، مرجع سابق، ص 167.