ورغم أن هذه القضية قد انشغل بها الاقتصاديون منذ القرن السابع عشر الميلادي، إلا أنها لم تصل إلى نتيجة حاسمة لصالح فصل القيم الحكمية أو الإيصائية عن علم الاقتصاد.
بل المدهش أن بعض الاقتصاديين مثل جونار ميردال والذي كان يتبنى الموقف الواقعي (الوضعي) للاقتصاد، أخذ بعد طول الدراسة والخبرة العلمية يعود فيعلن أن علم الاقتصاد بطبيعته ووظيفته لا يمكن إلا أن يعتمد بصورة جذرية على المعايير والأحكام والمُثُل الشخصية، وأن أفكارنا في جوهرها حُبلى بالقيم (Value Loaded) ، وأن التحليل النظري نفسه يعتمد عليها بالضرورة [1] .
ويعبّر آرثر سميثز عن كون النظرية الاقتصادية نفسها، لا تخلو من القيم، فيقول:"إن أية نظرية اقتصادية لا يمكن أن تكون مبرّأة من لمسات عقائدية (إيديولوجية) ، وأن وضع حد فاصلٍ مميز بين التحليل وبين معطياته كسياسةٍ أمرٌ صعب الالتزام به" [2] .
ويرى روبرت هيلبرونر أن القوانين الاقتصادية تدخلها الأحكام القيمية من زاويتين [3] :
الأولى: أن الاقتصاديين يفرضون على المنطق الاقتصادي قوانين، هم يعرفون أكثر من غيرهم أنها في أحسن الحالات تصف جانبًا يسيرًا من الحقيقة الفعلية، وفي أسوأ الحالات فإنها تخطئ الهدف تمامًا.
الثانية: أن الاحتفاظ بفرضية التعظيم يدخل في حد ذاته أحكامًا قيمية (Value Judgement) من نوع آخر، مجاراة لاعتناق معظم الاقتصاديين لمبدأ"الاستزادة خير".
بَيْد أن أكثر الآراء التي غالت في خلع صفات الحيدة والموضوعية على النظرية الاقتصادية جاءت من مدرسة شيكاغو الأمريكية التي أعلنت أن علم الاقتصاد علم محايد ولا علاقة له البتة
(1) ينظر: محاضراته الثلاث التي ألقاها بالجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع بالقاهرة، بدعوة من البنك الأهلي عام 1955 م، بعنوان (العنصر السياسي في النظرية الاقتصادية) .