والتساؤل الهام المطروح هنا هو: هل قولنا إن المستهلك المسلم يستهدف أن يحصل على أكبر قدر ممكن من الإشباع من دخله المخصص للاستهلاك، تكون فيه مخالفة إسلامية؟ الجواب هو كما نعتقد - والكلام مازال للدكتور شوقي دنيا - لا. بل إن غير ذلك هو المخالف لتوجيهات الإسلام .. وعلينا أن ندرك أننا هنا في مرحلة الاستهلاك ولسنا في مرحلة إنفاق اجتماعي أو في نطاقه، فهذا نطاق وهذا نطاق .. وهما معًا يعملان في إطار تحقيق الحد الأقصى من الخير ومن الفلاح" [1] ."
والملاحظ في هذا التحليل أنه يتجنب مشاكل قياس الثواب وعلاقته بالاستهلاك بواسطة فصل قرار المستهلك بتوزيع دخله بين الإنفاق الاجتماعي (في وجوه الخير) ، والاستهلاك عن قراره بتوزيع دخله المخصص للاستهلاك بين الطيبات المتاحة للحصول على أقصى منفعة، ورغم أن هذا الفصل يتيح للباحث دراسة وتحليل العوامل الموضوعية الحاكمة لاستهلاك المسلم. إلا أننا نلاحظ أن تحديد نسبة الدخل المخصصة للاستهلاك يبدو خارجًا عن نطاق النظرية، أي أنه مفترض بطريقة مسبقة وفقًا لظروف وعوامل لا تدخل في نطاق التحليل الاقتصادي. ويبدو ذلك جليًا في بعض كتابات د. محمد عفر، التي فيها نفس المنهج، ولكن في سياق مختلف، فقد افترض د. عفر للمستهلك المسلم قائمة بالأوزان النسبية للفئات المختلفة من الإنفاق، وهذه الأوزان فبطبيعتها لا تختلف عن المنافع الحدية، بل لقد عاملها د. عفر كذلك عندما قرر أن توازن المستهلك المسلم يحدث عندما تتساوى نسبة الأوزان إلى الأسعار عبر الطيبات الاستهلاكية المتاحة.
ويقرر د. عفر أنه يتعين تحديد المبالغ التي تخص أبواب الإنفاق (النفس، الأهل، الآخرين) قبل العمل بهذه الأوزان [2] كما أن الأمثلة الرقمية التي أوردها تضمنت نسبة ما ينفقه المسلم على الآخرون كمتغير خارجي غير خاضع للتحديد أو التحليل داخل النظرية [3] .
وخلاصة ما سبق، أن هناك جهودًا طيبة قد بذلها الباحثون المسلمون في مجال نظرية سلوك المستهلك، وأنه لا يزال هناك حاجة إلى جمع هذه الجهود في اتجاه واحد، لبناء نظرية واضحة المعالم، من حيث الفروض وأدوات البحث والتحليل يمكن به وصف وتفسير السلوك الاستهلاكي للمسلم وهذا هو موضوع المبحث القادم (3/ 2) .
(1) د. شوقي دنيا - النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي، مرجع سابق، ص 102 - 103.
(2) د. محمد عبدالمنعم عفر - الاقتصاد التحليلي الإسلامي، مرجع سابق، ص 223.
(3) د. محمد عبدالمنعم عفر - المرجع نفسه، ص 248 - 257.