إن استهداف المستهلك المسلم للتوازن والاعتدال، هو من الرشد الاقتصادي. والتوازن ينفي الانطلاق نحو الحد الأقصى للإشباع، كما ينفي السقوط إلى الحد الأدنى. إن التوسط بين الشبع والجوع هو الاعتدال الذي يحقق التوازن، والرشيد لا يأكل حتى يجوع، وإذا أكل لا يشبع [1] .
ولذا كانت هناك درجات للرشد الاقتصادي، ونعرض فيما يلي نموذجًا قرآنيًا لدرجة رفيعة من الرشد الاقتصادي، وذلك في قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [2] فالآية تحدثنا عن بناء الجدار دون أجر، على الرغم من أن أهل القرية أبوا أن يضيّفوا موسى والخضر عليهما السلام وفي هذا النموذج الرفيع تضحية بمصلحة ذاتية، وهي الحصول على الأجر، مقابل رعاية مصلحة الآخرين (الغلامين اليتيمين) ، ونرى في ذلك أيضًا تطبيقًا لقاعدة"الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" [3] .
وعليه، فإن الغني البخيل الذي لديه مال كثير، ولشدة بخله وحرصه على المال يمتنع عن الواجب بالشرع أو اللازم بالمروءة، أكثر ذمًّا من الفقير البخيل الذي لديه مال قليل، فيمسك عن الإنفاق حيث يكون الإنفاق ضرورة، مع أن كلا السلوكين مذموم غير رشيد، إلا أن الفقير البخيل أقل درجة من الغني البخيل .. وفي ذلك يقول ابن قدامه رحمه الله:"إن البراءة من البخل تكون بفعل الواجب بالشرع واللازم بطريقة المروءة، مع طيب النفس بالبذل. أما الواجب بالشرع فهو الزكاة، ونفقة العيال، وأما اللازم بطريق المروءة فهو ترك المضايفة، والاستقصاء عن المستحقرات، وقد يستقبح من الغني ما لا يستقبح من الفقير" [4] . وهناك شاهد ثانٍ على درجات الرشد الاقتصادي، أورده العز بن عبدالسلام رحمه الله، حيث يقول:"الإطعام في المجاعة أتمّ إحسانًا من الإطعام في الرخاء، لأن فضل الإطعام بقدر الاحتياج فإطعام المضطر أفضل من إطعام من مسه"
(1) (*) يقول الإمام مالك رحمه الله في وصية له:"ضع يدك في الطعام وأنت تريده، وارفع يديك عنه وأنت تريده، فإنك إن فعلت ذلك لا يلم بك إلا مرض الموت"ينظر: أبو عبدالله محمد المقري - القواعد، مركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، د. ت، جـ 2/ 509.
(2) الآية 77/ سورة الكهف.
(3) ينظر: ابن نجيم - الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1400 هـ، ص 89، وعلي أحمد الندوي - القواعد الفقهية، دار القلم، دمشق، 1406 هـ، ص 350.
(4) أحمد بن قدامة المقدسي - مختصر منهاج القاصدين، مكتبة دار البيان، دمشق، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، 1398 هـ، ص 207.