فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 56

وأهل الحل والعقد، وتضبطه القواعد العامة في الشريعة، وتقدير المصالح والمفاسد. وقد رافق هذا اللون من (حوار التعايش) نشأة الدولة الإسلامية في المدينة، حيث عقد صلى الله عليه وسلم عهودًا مع يهود المدينة، وأبرم صلح الحديبية مع كفار قريش، كما زخر الفقه الإسلامي المؤسس على فقه الكتاب والسنة بتراث ضخم في مجال العلاقات الدولية بأهل الكتاب؛ ذميين كانوا، أو معاهدين، أو مستأمنين، أو حربيين.

أما الحوار البدعي؛ فهو حوار المداهنة، والابتذال، والخضوع بالقول، وكتم الحق، والسكوت عن الباطل، والموادة، والموالاة لغير المؤمنين؛ مما يقع فيه كثير من محترفي الحوار المذموم اليوم.

ولا ريب أن في ديننا فسحة وسعة تنافي التقوقع والانكماش، وتمكن دعاة الإسلام ـ مستفيدين من التسهيلات الإعلامية الحديثة ـ من التقدم إلى العالم أجمع بخطاب متين يتضمن دعوة المرسلين إلى توحيد رب العالمين" [1] ."

وهذا المبدأ يعد من أسس (النظام الإسلامي) ، إذا لم يسجل التاريخ نظامًا سياسيَّا واجتماعيًّا يقبل الآخر ويتعايش معه مثلما أرساه النظام الإسلامي، اللهم إلا في الدولة العلمانية الليبرالية الحديثة، وإذا كان تاريخ الدولة الدينية الكنسية وتاريخ التطهير العرقي والديني المذهبي المنظَّر له دينيًّا وفلسفيًّا في أوربا قديمًا وحديثًا، وفي غيرها من أوطان الديانات الأخرى .. يشهد بجور هذه الديانات على مخالفيها القاطنين معهم في الأوطان نفسها، فإن الأحكام الشرعية المتعلقة بأهل الكتاب (أو: أهل الذمة) وشواهد التاريخ الإسلامي بعمومه .. شاهدة على مكانة مبدأ التعايش بين المسلمين والمخالفين لهم في الإسلام، وقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ مع بداية تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة؛"وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل طوائف اليهود الثلاث حول المدينة (وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة) أحسن معاملة في بدء الأمر وأثنائه ونهايته، ففي البداية بعد الهجرة إلى المدينة عقد معهم صلحًا معروفًا، هو وثيقة المدينة، ووادعهم وعاهدهم على المسالمة وألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوًا له، وأنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، ويتمتعون بالحرية الكاملة ..." [2] .

(1) د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي، مقال (الحوار الإسلامي النصراني) ، مصدر سابق.

(2) د. وهبة الزحيلي، مصدر سابق، ج 6، ص 127، وانظر: د. أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة .. محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط 6، 1415 هـ- 1994 م، ج 1، ص 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت