روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن سعيد بن مينا مولى البَختري، قال:"لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) حتى انقضت السورة" [1] .
وهذا المطلب أو العرض، وإن كان صورة واضحة من وحدة للأديان، إلا أنه لم يصدر من أناس يعون هذه الفكرة ويتبنونها مبدأً ودعوة، إذ لم يكن في الحقيقة إلا محاولة للتخلص من المأزق الديني والاجتماعي والسياسي الذي وجدوا أنفسهم فيه إثر جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوة التوحيد بينهم وبدء انتشار هذه الدعوة في أوساط أتباع الدين القديم.
أئمة التصوف الفلسفي: من وحدة الوجود إلى وحدة الأديان:
"وحدة الوجود Pantheism نزعة ميتافيزيقية تختزل الوجود في موجود واحد هو الله، وتطابق بين هذا الموجود والعالم، حيث يتوحد الله مع الطبيعة والكائنات والبشر ويكمن فيهم، فيصبح هو الموجود الحقيقي الوحيد، ويصبح العالم بموجوداته مجرد مظاهر وظواهر ولحظات وملامح وانعكاسات لهذا الموجود الواحد المطلق."
ولمذهب وحدة الوجود أشكال ستة يختلف باختلافها مفهوم الوجود وطبيعة الوحدة بين العالم" [2] ."
عُرف مذهب وحدة الوجود قبل الإسلام في ديانات عديدة، وبخاصة في فكر الهند الديني، حيث مثَّلَت فكرة وحدة الوجود"ثمرة الجهد الفلسفي للعقل الهندي، الذي حاول من خلالها التوفيق بين نزعات التأليه الثلاث المتباينة (التجريد، التجسيد، التعدد) من جهة، ومن جهة ثانية: تحديد وتعيين خالق الأشياء الحقيقي وطبيعته، ومن جهة ثالثة: إثبات وجوده بطريق محسوس بعيدًا عن التجريد" [3] .
ورغم أن وحدة الوجود مذهب ديني وفلسفي معروف منذ القدم، إلا أنه لم يشتهر في الثقافة
(1) تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن) ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1420 هـ- 2000 م، ج 24، ص 662.
(2) د. عبد الراضي محمد عبد المحسن، مشكلة التأليه في فكر الهند الديني، دار الفيصل الثقافية، الرياض، ط 1، 1422 هـ- 2002 م، ص 68.
(3) السابق، ص 77.