يعد (الدين) أحد الموضوعات التي شغلت علماء الفلسفة والأنثروبولوجيا والاجتماع، إذ يمثل ركنًا أساسيًّا من (إنسانية) الإنسان، ومحورًا رئيسيًّا في حياة الشعوب منذ قديم الزمان؛ فمنذ أن عاش الإنسان على هذه الأرض وهو يأله معبودًا له، ويعتقد في عالم علوي أو عالم الروح، ويؤمن- وهو يدفن أمواته- باليوم الآخر، ويُجمِع الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات على أن هذه الفطرة حقيقة يصعب إنكارها، حتى قال أحد كبار المؤرخين: لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبدًا مدن بلا معابد [1] .
وباستثناء شذرات متفرقة في تاريخ الإنسانية- لا تمثل نسبة ذات شأن في الزمان والمكان-، لم يُثِر الإنسان مسألة إنكار الدين كلية، باسم ما يعرف بالإلحاد- باعتبارها شأنًا يؤخذ بجدية وعلامة على (التقدمية) - إلا في العصر الحديث، وهي فترة قصيرة جدًّا، تبدو وكأنها غمضة عين في تاريخ البشرية.
وإذا كان الدين بهذه المكانة في حياة البشر، فمن جهة أخرى: فإن من طبيعة معظم البشر الإعجاب بما هم عليه والنظر إليه على أنه الأفضل والأكمل، وحب السيادة والولاية، والرغبة في قيادة الآخرين بما يظنه كل فريق أنه خير، حتى قال بعض العلماء: إن"أشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه، فإن لذة الرياسة والغلبة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء" [2] ، وإذا أضفنا إلى ذلك خضوع بعض البشر للهوى أحيانًا، والمصالح الذاتية والدوافع الخاصة أحيانًا أخرى: أدركنا مدى خطورة هذا العامل وأثره على مجريات الأحداث بين البشر.
وقد تفاعلت هذه الطبيعة البشرية مع ذلك التمحور للإنسان حول الدين، فاشتعل بين البشر صراعات عديدة- بحسب سنة التدافع- سواءً بسبب العامل الأول (طبيعة بعض الأديان) أو بسبب العامل الثاني (تعصب بعض أتباع الأديان وتسلطهم وتعديهم) ، لترسم هذه الصراعات علامات الاستفهام ودوائر الحوار والنقاش حول أسبابها وسبل علاجها.
ورغم هذه الصراعات فقد ظلت الرغبة في مد الجسور الموصلة بين الشعوب والأمم، والعيش في وئام ووفاق وسلام، أملًا يراود الإنسان وغاية يرنو إليها كل داعية- أو مدعٍ- للإصلاح. وفي معرض التأمل في سبل الوصول إلى تحقيق ذلك، بدى لبعض الناس أن تعدد الأديان سبب هذا الشقاء؛ فرأوا أن
(1) انظر: حسين أحمد أمين، تأملات في حقيقة أولياء الله الصالحين، مجلة العربي الكويتية، ع/226، رمضان 1397 هـ، أغسطس 1977 م، ص 131.
(2) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة- بيروت، ج 4، ص 78.